
أيتها الأخوات أيها الأخوة ...في الذكرى السنوية الأولى والأليمة لغياب القائد و المؤسس و رفيق الدرب النضالي و شريك العمر "الحكيم" أقف بإجلال و إكبار أمام هذا الرجل العظيم في ذكراه العطرة و أمام ما تركه لنا من إرث نضالي كبير يكفينا لأجيال و أجيال . ذلك الينبوع المتدفق عطاءً و تفانياً سيبقى يروي ظمأ الحنين إلى الوطن و ظمأ كل المتعطشين إلى الحرية و الإستقلال و كل الذين يحلمون بمجتمع تسوده العدالة و المساواة
نصف قرن من الزمن كان لي شرف الوقوف إلى جانبه أشاركه مسيرته النضالية في ظروف قاسية عصفت كالأعاصير بشعبنا و بأمتنا من كل حدب و صوب.إن الأجيال في فلسطين و في الوطن العربي ستبقى تذكر لهذا الثائر الكبير الحي في ضمائرنا حبه لوطنه و إخلاصه لشعبه و أمته
لم أرى في حياتي إنساناً مثله ينكر ذاته و يشطب الأنا من قاموسه إلى درجة الذوبان في هموم شعبه و عذابات المظلومين و الكادحين و الفقراء ، كان يعيش اَلامهم و يعمل جاهداً للتخفيف من معاناتهم و هم الذين بادلوه الحب و الوفاء. لم يترك لعائلته أرصدة و لاعقارات بل ترك كنزاً معنوياً و إرثاً نضالياً سنحميه بحدقات العيون
رحل الحكيم و قد تزامنت الذكرى السنوية الأولى لغيابه و شعبنا في غزة أحوج ما يكون لأمثاله من الرجال و هو يتعرض لأبشع هجوم بربري من قبل العصابات الصهيونية في حرب إبادة جماعية أمام مرأى و مسمع العالم بأسره . إن الألة العسكرية للكيان الصهيوني المدجج بأحدث الأسلحة و أكثرها تطوراً فتكت بأطفالنا و نسائنا و شيوخنا و قطّعت أوصالهم و دمرت بيوتهم و شّردت و جرحت و شوهت ألالاف لكن الرد كان الصمود ثم الصمود الأسطوري لشعبنا البطل و للمقاومة الجبارة التي أذهلت العالم بإرادتها الصلبة و تصميمها على مواصلة القتال أمام الطاغوت الصهيوني لتصنع النصر و تحقق المعجزة رغم كل التضحيات الجسيمة لتلقن العدو درساً لن ينساه
لن تنعم إسرائيل بالأمن و الأستقرار على حساب شعبنا و حقوقه الوطنية. ستبقى هذه المجازر و دماء النساء و الأطفال الذين دفنوا تحت الأنقاض و صمة عار في تاريخ الإنسانية و تلطخ جبين جنرالات العدو .هذا العدوان على غزة الذي حظي بدعم و بضوء أخضر من الولايات المتحدة الأمريكية لقد ولى عهد جورج بوش سىء الذكر بعدما دمر العراق بشعبه و جيشه و حضارته بدم بارد دون محاسبة و حوله إلى ساحة صراع و تصفية حسابات و أنهى عهده البغيض و يده ملطخة بدماء الأطفال في غزة
إن آلام غزة و جراحات أهلنا التي كانت تعتمل في عقل و قلب راحلنا الكبير و ظلت ماثلة أمام عينيه و على شفتيه حتى اللحظات الأخيرة من عمره ، تدعونا هذا اليوم الذي نقف فيه خاشعين إحياءً لذكراه أن نواصل أمانة حملَها في أعناقنا جميعاً. لقد تابع حصار غزة و معاناة الناس من غرفة العناية الفائقة و شعر بسعادة عندما علم أن أهلنا في غزة قد إقتحموا معبر رفح و كسروا الحصار فأغمض عينيه و قلبه على شعبه و على القضية
إن روح الحكيم تحيي شعب غزة، تحيّي إخواننا في المقاومة قيادة و مقاتلين و تحيي جميع الفصائل التي شاركت في الدفاع عن شرف هذه الأمة فجسدوا الوحدة الوطنية في الميدان بأسمى معانيها، و تحييّ صمودهم الأسطوري و تدعوهم للتمسك بالثوابت الوطنية التي طالما دعى إليها و تشبث بها مؤكداً على حق العودة فربط عودته إلى فلسطين بعودة خمسة ملايين لاجىء فلسطيني لهم كل الحق بأن يعيشوا على أرضهم بعزة و كرامة
و من هنا و إكراماً لذكرى الحكيم و لذكرى اَلاف الشهداء الذين دافعوا عن فلسطين كل فلسطين في مناطق 48 و في الضفة الغربية و في غزة، أدعوا الفصائل الفلسطينية أن تعلوا فوق الجراح و تحكم ضمائرها لتكون على مستوى المسؤولية التاريخية و على مستوى التضحيات الجسيمة لهذا الشعب العملاق فتضع حداً لهذا التمزق في الجسد الفلسطيني
إن دماء شهدائنا التي روت تراب غزة لن تذهب هدرا ًو إن هيبة المؤسسة العسكرية الأسرائيلية قد تمرغت بتراب غزة المجبول بدماء شهدائنا الأبرار. نطالب محكمة العدل الدولية أن تلاحق المسؤولين الصهاينة و جنرالاتهم كمجرمي حرب و أن تضع حداً للغطرسة الصهيونيةالتي لا حدود لها
لكن شعبنا سينهض من جديد من بين الركام كطائر العنقاء بكل إباء و شموخ ليعود و يواصل الكفاح . إن إسرائيل و منذ العام 48 مروراً بنكبة 67 ثم الإجتياح الإسرائيلي في لبنان عام 82 ثم العدوان الوحشي عام 2006 على المقاومة اللبنانية و إنتهاء بالعدوان على غزة تقتل و تدمر و تشرد و تقتلع الشجر و البشر و تحرق الأخضر و اليابس لكنها لن تستطيع ان تدمر إرادة القتال فينا مهما بلغت التضحيات . فليعلم هذا العدو الذي يصادر حقنا في الحياة أن هذه البلاد لنا بترابها و هوائها ببحرها و صحرائها و بشعبها العملاق الذي سطر بدمه ملحمة البطولة و الفداء
إن المؤرخ الإسرائيلي ألين بابي الذي كتب عن التطهير العرقي في فلسطين و ذكر بالأرقام أدق التفاصيل عن المجازر التي إرتكبتها العصابات الصهيونية في عام48 . مشيراً إلى قرى بكاملها أبيدت عن بكرة أبيها و اليوم بعد ستين عاماً من تلك المذابح العرقية تبقى إسرائيل تعمل بنفس العقلية ، عقلية عصابات شتيرن و الأراجون والهاجانا
إن شعبنا البطل في كل مرة يلملم جراحه و ينطلق من جديد بكل عزيمة و إيمان ليؤكد لإسرائيل حقه بالعيش بحرية و كرامة فوق تراب وطنه. إن زمن الهزيمة والإستسلام قد ولَى إلى غير رجعة فلن نفرط بذرة تراب روُيت بدماء شهدائنا . كل الوفاء للجرحى و للمعتقلين و الأسرى و للشهداء الأبرار
المجد و الخلود للحكيم الذي حمل هموم شعبه حتى أخر لحظة من عمره. المجد للشهداء الأبرار الذين دافعوا عن شرف الأمة. شكراً أيها الأحبة لمشاركتكم لنا بهذه المناسبة الأليمة التي تحولت بفضل حضوركم إلى مناسبة لتجديد العهد للحكيم و لكل الذين إستشهدوا دفاعاً عن أرضهم
أحيي جميع القوى الحرة و الصديقة لشعبنا التي عبرت عن تضامنها و طافت الشوارع لتعلن عن غضبها و تدين العدوان، أحيي الرئيس الفنزويلي شافيز و الرئيس البوليفي و رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان لمواقفه المشرفة من قضيتنا و كل الشرفاء في العالم
أحيي جميع الذين كتبوا كلمة حق في فقيدنا الغالي إنصافاً و تكريماً لمسيرته النضاليةإن العمالقة ترحل لكنها لا تغيب سيبقى الحكيم في ضمائرنا و في وجدان شعبه و أمته .وشكراً
0 comments:
Post a Comment