Monday, February 25, 2008

الدكتور حبش ... هل رحل ام رحل المشروع الذي يمثله-الحلقة الثانية

الأحد فبراير 24 2008

احمد قطامش

والحكيم، المتواضع، اختصر دوره بمنجزين:
1) ثورة اليمن التي قادت الشعب نحو الاستقلال عن المستعمر البريطاني بقيادة فرع القوميين العرب.
2) تأسيس وقيادة الجبهة الشعبية بما لها من دور في الساحة الفلسطينية خاصة ما قبل أوسلو.
وأجرؤ على إضافة منجزين آخرين: دوره في نشر العقلانية الثورية وقيم المواطنة، وحرية الاختيار، وتحرير ومساواة المرأة... بما لهذه المقولات من أهمية في وعي اجتماعي تطغى عليه الخرافة والجبرية والطائفية والعشائرية... وصولا إلى المقولات الطبقية عن نهب الامبريالية للثروات العربية واستغلال الطبقات الرأسمالية للشغيلة والعمال... ودور الثقافة والمثقفين النقديين، وهو واحد منهم، وعلى صلة نشطة مع ألمعهم ومن تعابيره المفضلة (المهم التركيز على المضمون وعلى المظهر الرئيس للأفكار)، (المهم رؤية الأمور من كل الزوايا ورؤية ترابطها وحركتها واستخلاص الدروس).
وما مثله من خط أخلاقي نزيه، يتمتع بنقاوة عالية وايثارية، ووفاء للتضحيات وسلوك متحضر وروح جمعية وشخصية محاورة وصديقة وقد عرّف الصداقة (بأنها مصارحة بلا حدود، وأن يحمل الواحد هم الآخر دون أن يسأله، ونضال في سبيل أهداف مشتركة).
وصدقه نزع احترام سواه، وقد قال للرئيس الراحل الأسد (سنحافظ على خط سياسي وخط إعلامي مستقل، وأنا عربي، وسوريا بلاد عربية، ومن حقي الإقامة فيها) والتباينات لم تمنع الرئيس الأسد من إرسال طائرة خاصة لنقله من مستشفى في بيروت إلى مستشفى في براغ. وقال للرئيس العراقي صدام (لست في عمر يسمح لي بالمجاملة... فدخولكم الكويت مغامرة ومن الضروري توحيد البيت الداخلي) ولقائد ثورة الفاتح القذافي الذي دعاه للإقامة في ليبيا (لان مهامك اكبر من العمل الفلسطيني)، (إن الامبريالية تسعى لتغطيسكم في رماد تشاد، اسحبوا قواتكم) وللرئيس عبد الناصر (أننا نقود ثورة اليمين وأجهزة بيروقراطية لديكم تشوش سياستكم)... وفي دورات المجلس الوطني كان القائد الوحيد الذي تصفق له فتح، مثلما تصفق لرئيس المنظمة أبو عمار رغم الخلافات)، (لقد عرفت عرفات أكثر أثناء حصار بيروت).
وصفات الحكيم المتحضرة النبيلة البعيدة عن السلطوية والفظاظة كان لها دورها في محاصرة التناقضات الداخلية وتخفيض حدتها، إذ لم يكن إقصائياً أو تآمريا ً أو من الذين يسهل عليهم بذاءة اللسان والضغط على الزناد. وتوجهه قراءته للتناقض الأساسي والتناقض الرئيس والتناقضات الثانوية والعارضة، ويرى جدليتها دون الخلط بينها. ومن هنا جاءت كلماته عام 83 (يجب أن تحسم التناقضات الفلسطينية عن طريق النضال السياسي والجماهيري، وعن طريق الحوار. مجرم من بدأ القتال ومجرم من فكر فيه، وخطط له، ومجرم من يغذيه) وقد دفع ثمن ذلك... ونعرف عن أخلاقية الحكيم أكثر عندما نعلم أنه رحل عن الدنيا دون أن يترك لعائلته أي رصيد مالي، أسوة بعبد الناصر الذي أورث عائلته 67 دولاراً!!!
وانسجاماً مع قناعته بالتجديد راح يهيء لإعطاء فرصة للدماء الشبابية، والتفرغ للعمل الفكري وتأريخ تجارب ثورية عربية، وإن لم أؤرخ تجربة القوميين العرب والجبهة أموت وفي قلبي حسرة) وهو القائد الفلسطيني الوحيد الذي ترجل عن فرس القيادة طواعية دون أن يغادر ساحة العمل الدؤوب بما أثبت كلمة ماركس (الإنسان الشامل). متعدد الأبعاد والمهارات.
أما إن كان المحترف أو المتفرغ في مؤسسة سواء كان سلطوية أو حزبية لا يتقن من فرص الدنيا سوى وظيفته حينها سيدافع عنها بأسنانه وأظافره حماية لوظيفته وبذلك بتحول تفرغه من دور عمومي لخدمة الوطن وتضحيات في سبيل الشعب إلى وظيفة تعتاش منها عائلته بصرف النظر عن إسقاطات ذلك على الوطن والشعب.
وكما عرفات وكاسترو وعبد الناصر كان يمتد عمل الحكيم إلى 14 16 ساعة يوميا، ولغة إجازة لم يعرفها إلا لماما، حتى أنه عاد لمزاولة مهامه بعد ثلاثة أيام من زواجه من رفيقة دربه الرفيقة هيلدا التي شاركته الأيام حلوها ومرها، والهموم والأوجاع والأحلام... بما تتمتع به من شخصية قوية مصابرة، بل وشكلت سياجاً حامياً له في محطات خطرة عديدة، وكان لها دورها الرئيس في الحيلولة دون اختطافه من رحلته العلاجية في فرنسا التي صدر عنها كتاب بعنوان (رجل يهز فرنسا) وقد وصلني نسخة منه مع إهداء لفتتني العبارة التالية فيه (في زمن انقلبت فيه المقاييس والمفاهيم... تحولت رحلتنا العلاجية لقضية سياسية أثارت عاصفة هوجاء، أطاحت بعدد من كبار المسؤولين، مع خالص محبتنا. جورج وهيلدا حبش).
وحينما اتصلت هاتفيا بأم الميس معزيا برحيل الحكيم مرة ورحيل أمها التي دأبت على مشاطرتها حياتها دون توقف، تلجلج صوتي مرتين، أما أم الميس فكان صوتها صريحاً قوياً متفجعاً (راح من بين أيدينا ولم استطع إنقاذه) يشغلها ترجمة كتاب (الثوريون لا يموتون) وجمع إرث الحكيم (إنصافا له).
تمتع الحكيم بقوة معنوية هائلة، لا تعرف الفتور، قادرة على استنهاض همة أعداد كبيرة من الناس، ليس بالتفتيش عن عناصر تحليلية تبعث على التفاؤل، وليس بتقديم قراءة لحركة التاريخ وحسب، بل ما يملكه من غزارة ثقافية وسلوك عملي يشكل قوة مثال أيضاً وقدرة على اجتراح إجابات وبناء منصة انطلاق بعد كل واقعة. والحكيم سياسي ومثقف ومن نصائحه (اقرأوا هيجل قبل ماركس، سان سيمون وريكاردو وآدم سميث، ابن خلدون وابن رشد، ولينين وجيفارا، وسمير أمين. أقرأوا بنفنستي وتجارب القادة الاسرائيليين... هل تتابعون الصحف العبرية وتقرير مراقبة امن الدولة... وما أخر آراء شاحاك وعوز، وصدر كتاب لابن شاريت هل ثمة ترجمة عربية أو انجليزية... وماذا يقولون المؤرخون الجديد وما بعد الصهيونية؟ (اعرف خصمك) طرزت هذه المقولة غلاف مجلة الهدف قبل وبما يتقاطع مع كلمات ادوارد سعيد (في سعينا نحو العدالة لا يكفي أن نعرف أنفسنا. على معرفتنا أن تكون كالرحالة في اكتشاف الآخرين) أكثروا من قراءة الأدب وأشعار درويش والقاسم وكنفاني والأقلام الشبابية. وقد أوصى بقراءة كتاب الدكتور دراج (بؤس الثقافة) لما فيه من جوانب مفيدة. فقد تخلفت المؤسسة السياسية والكثير من الطلاء إنما يهدف لإخفاء الخيبات المتلاحقة.
وحينما اشتركنا في مركز الغد العربي بإصداراته وندواته إنما أثار حمية ووّلد أسئلة جديدة وأحلاماً جديدة.
نظر باهتمام لكلمة لينين (أن حزبنا حزب الشباب، والمستقبل ملك الشباب، والشباب أول ما يبادر إلى التضحية). (التجديد ودون تجديد تحل الرتابة والشيخوخة) فهو خزان حكمه، حكمة الشيوخ المستقاه من تجارب عميقة، وروح شبابية وثابة (لولا الوقوع في الإرادوية والرغائبية لقلت ينبغي كذا...) يتجشم مهاما لا يقوى عليها إلا الشباب، علما أن هموم الزمن حاولت أن تنال من جسمه الناهض دون أن تنال من إرادته ومن نفاذ بصيرته ودون أن تفارقه وسامة الرجولة المميزة أيضا. ففي يتناغم الشكل مع المحتوى.
لقد تفاخر في تقرير تنظيمي للمؤتمر الخامس 93 (إن أغلبية البنية شبابية ونسبة المرأة ارتفعت وهي في الداخل ضعفها في الخارج، وحضور العمال ارتفع بشكل ملحوظ في القاعدة، واللجان الكادرية والهيئات المركزية والذين حصلوا على دورات فكرية في تزايد إضافة للتثقيف في السجون... ولكن كل هذا لا يكفي. إننا أمام تحديات جديدة وجدية).
والحكيم منظم من طراز رفيع أثبت مقدرة على تأسيس وقيادة حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية التي كانت قوة ثانية تحت قيادته حتى أوسلو وأثبت مقدرة على تطوريها سياسيا وفكريا وتنظيميا رغم الضربات والمؤامرات والإغراءات.
ولما سئل عن فك الارتباط التنظيمي بين الجبهة وحزب العمل الاشتراكي في أواخر السبعينات أجاب إننا (منشغلون بأعباء ومعارك الحلقة الفلسطينية، أما أن نتولى مهمة حزبية قومية فهذا يتطلب إمكانات تفوق إمكاناتنا، رغم أننا نقيم علاقات وثيقة ولا نتردد في تقديم الخبرة والاسناد، ليس على صعيد قومي فقط بل وأممي أيضاً. أما الوصول لرؤية برنامجية قومية وقيادة قومية، فهو يصطدم بعقبات ليس وحدنا من يذللها ناهيكم أن الأداة اليسارية العربية لا تنحصر في حزب العمل بل وهنالك قوى عديدة أخرى وكانت له علاقة خاصة بالشهيد جورج حاوي أمين عام الحزب الشيوعي اللبناني وهما معا من أسس جبهة المقاومة عام 1982.
ومعلوم أن الحكيم علاوة على أنه قائد أول ومن مؤسسي الثورة المعاصرة فهو الجذر والبيدر الذي زرع وحصد، وكان شجرة خضراء ومثمرة وقد أضاف وعيا على العقل الفلسطيني والعربي وله اشراقاته البعيدة عن النمطية. ومن جايلوني عزفوا على لحنه مفعمين بأمثولته فهو عامل التحفيز الأعظم الذي يضيء عتمة الأسئلة والمسالك الغامضة وإضافة إلى أنه شخصية موحية بطول النفس وإمكانية الانتصار والترفع عن الصغائر دون إهمال لتفاصيل العمل.
كنا نترسم طريقنا بناء على تصريح له أو خطاب يتضمن تحليلا، فقد تميز بقدرة تحليلية تذهب للنهايات وتفكيره يسبق غيره مسافات، ويقول كلمته في الوقت المناسب (هذه سمات لينين أيضاً) ويفسح مجالا لنقاش القضايا الجدالية مرة ومرات، وتقنياً فهو غالباً أخر المتحدثين في الاجتماعات القيادية، أما رأيه فهو الأكثر حسما وهيبة.
ولأن مقارباته لم تكن تكراراً ملولاً ولا تخضع لإملاءات أحد فقد اختلف مع أطراف ودول وقيادات. وهو صاحب مقولة (أن القابض على المبدأ كالقابض على الجمر) ويمكننا تبين المعنى إذا استدعينا أربعة أمثلة:
1) قطع المساعدة الليبية والمخصص من م.ت.ف في نفس الوقت ولسنوات، لأنه أدان القتال الفلسطيني - الفلسطيني عام 83، ولم ينضم لفريق ضد الآخر، وكان ذلك المورد المالي الأساسي للجبهة. وتزامن ذلك مع
2) قطع المساعدة العراقية منذ عام 78 لأنه عارض مؤتمر بغداد لتأييد الحرب على إيران، بل وتم طرد مريديه أيضاً.
3) رفض العودة للوطن تحت العلم الإسرائيلي... (لن أعود إلا ومعي ملايين اللاجئين الفلسطينيين) رغم أن العودة شغفه الأول ولطالما تمنى أن تكتحل عيناه برؤية منزله في اللد وربوع فلسطين.
4) الخلاف مع السوفييت حول القرار 242 ومبادرة بريجينف ولاحقا رؤية غورباتشوف سيما التفكير السياسي الجديد، وبقدر معين البيروسترويكا وتأييده للموقف النقدي منهما، وعدم اتفاقه مع دموية الثورة الثقافية في الصين وقلقه من الإصلاحات الاقتصادية البرجوازية بعدئذ واشتراكية السوق وما حمله ذلك من برود في العلاقة إلى حد القطيعة، في وقت كانت تغدق هذه الدول على المصفقين فضاقت موارده وضاقت الرقعة الجغرافية التي يتحرك فيها.
دون أن ننسى أنه لم يساوم سياسات الرجعية العربية النفطية فحّرمت عليه دخول أراضيها وهو الذي ردد مراراً نفط العرب للعرب وكتب عن مخاطر الحقبة النفطية ونتائجها ولكن ليرفع شعار كاسترو بعد انهيار الاتحاد السوفييتي (الاعتماد على الذات).
وفي خطابه في جامعة المستنصرية في العراق عام 77 قال (أنني لا أعرف كيف يتخذ القرار الفلسطيني) وبعد خلافه مع عرفات على (لعم) لمشروع ريغن ، وشكوى الأخير من تقصيرات اللجنة التنفيذية وتكاسل البعض قال له: حاسبهم. الفردية ليست الحل... وإذا عرضوا عليك دولة أعلمنا، فإن لم تساندك لن نعترض طريقك...
كان ينأى بنفسه عن الدجل السياسي وهذا تعبيره منذ عام 69 وعن الهبوط بالوعي السياسي والنظري، وعن الشعارتية وعن المماحكات الفئوية كأمراض شائعة في الساحة الفلسطينية، وهذه الاخلالات تبدو لي أحد أسباب عودة المجتمع للخرافة والجبرية العشائرية والمناطقية والتشرذم ، التي هي في عداد آلية من آليات تفكيك الشعب الفلسطيني ومشروعه الوطني.
أيها الرجل التاريخي الكبير: لقد أتى التاريخ بك مبكراً، ربما بنصف قرن، فوضعك على حد السيف، وانتزعك، والمشهد يتعقد أكثر فأكثر، وتتوالد أسئلته بغزارة في مرحلة التقهقر... فالوضعية الراهنة تطلبك، فأنت رجل الإستراتيجية والتكتيك والقائل (يجب أن تبقى أنظارنا متجهة نحو الحلقة المركزية... إن أحد قوانين الديالكتيك هو تحديد الموقف المناسب في الوقت المناسب) كيف نفهم اللحظة الراهنة... كيف نميز بين الحساء الهزيل والكلمات الطنانة (بلغة ماركس) وبين الموقف السليم؟ فصدفة غيابك ولدت حيرة وألماً، وربما أن ماركس قد أصاب بالقول (قد يتسم التاريخ بطابع صوفي جدا لو كانت الصدف تضطلع بأي دور. فإن الصدف هي ذاتها تدخل كجزء لا يتجزأ في السياق العام للتطور... والتسارع والتباطؤ رهن بهذه الصدف التي أرى بينها صدفة طبع الناس الذين يقفون على رأس الحركة) وفي رأيي أن أثر الحكيم أكثر بكثير مما يعتقد ماركس.
ولئن كان ثمة موهوبون، فأنت العبقري، ولئن كانت العبقرية هي مصابرة العقل فعبقريتك تتعدى ذلك على حفر درب المستقبل. فتشافيز جاء امتدادا لبوليفار بعد قرن ويزيد، وفولتير جاء امتدادا للتنويريين بعد قرن ويزيد، وبن بيلا جاء امتدادا لعبد القادر الجزائري بعد نصف قرن ويزيد...
لم أتطرق لهذه المقالة التي سالت سطورها بما يشبه عفو الخاطر، لمشروع الحكيم ومآله، أي المشروع القومي/الوطني/الحزبي. وهل كان ثمة فرصة أمام الحزبي في ظل انكسار الوطني، والوطني في ظل انكسار القومي، أم يا ترى أن التوالي ينبغي أن ينعكس. أي لا فرصة لحزبي وطني دون حزبي قومي ولا فرصة لمشروع تحرري وطني دون مشروع قومي ديموقراطي... وما دور العامل الذاتي القيادي الذي أفلح في مرحلة وأخفق في مرحلة أخرى؟
وكيف فهم الحكيم الفكر الماركسي اللينيني هل هو مؤلفات وكتب أم إنتاج نظري في علاقة جدلية بالملموس والمتغيرات؟ وكيف فهم العملية النضالية هل هي انتفاضة أم حرب شعبية أم حرب عصابات أم نضال سلمي أم نظرية ثورية فلسطينية؟ هذا كله إنما يقتضي مقالة أخرى.
أما حلم الحكيم فإنني أعكف على كتابة دراسة تتعرض لأجزاء منه.
فارقد بسلام، فأنت تسكن في ذاكرة جموع من الناس وأفئدتهم... فأي عقل انطفأ وأي قلب توقف عن الخفقان.

Monday, February 11, 2008

في رحيل جورج حبش

أحمد حسين

لم أشا الكتابة عن جورج حبش بعد وفاته بسبب الإحباط الذي أثاره في موته على خلفية مرحلة مستقوية قضى عمره في محاربتها، وما
زالت تزداد استقواء. ومن عادة الإحباط أن يؤجل كل الأحداث الجليلة لصالح الحزن. لذلك فضلت الخشوع والإعتزاز الباكي على الكلام. ولكن ما قرأته في نشرة كنعان الألكترونية حول مقالة طلعت صفدي استفزني وصدمني فقررت كتابة هذه السطور.

بالمنطق البراغماتي يحق لكل من أراد أن يحاول الإقتراب من جورج حبش بعد وفاته. فالرجل كان الشعلة القيادية الوحيدة التي أضاءت ساحة المقاومة، ليس فلسطينيا فقط، بل وعربيا أيضا. كان الرجل فيه إنسانا إلى درجة أنه ظل يؤمن بشرف الوعي والإلتزام حتى اللحظة الأخيرة. لم يكن مثل غيره يربي الدجاج على ساحة النضال للحصول على البيض فقط، كما فعل غيره من قادة الفصائل الفلسطينية ابتداء أو انحرافا لاحقا. لذلك فمن حق الفئويات كلها أن تحاول تبني موت الرجل لتظهر وكأنها تتبنى سيرته، فتختلس بالإستغفال من رصيده ما يخفف من ديونها المستحقة على الشرف.

أما بالمنطق الأخلاقي للوعي والإلتزام فلا يحق لأحد من هؤلاء أو لأكثرهم أن يحاول الإقتراب من هذا الشريف الإستثنائي قياسا عليهم. وبنفس المدى لا يحق لأولئك الذين أحبوه بفلسطينيتهم وعروبتهم ورفاقيتهم ، أن يجاملوا على حسابه وحسابهم في بيوت العزاء، فيتبادلوا القبلات مع رفاق الغيبية والتكسب والإنحراف المعلن، الذين كان جورج حبش يرعب دخائلهم المديثة لمجرد وجود مثله على الساحة. فقط رفاقه الحقيقيون الذين شاركوه التزامه، هم الذين كان يحق لهم، بل يجب عليهم ، بالمنطق البراغماتي والأخلاقي الملتزم أن يستغلوا صدمة غيابه التي لا بد منها، ليرفعوا من أسهم الشرف الوطني والقومي والتحرري في هذا العصر الدنيء. كان يجب أن يستغلوا المناسبة الحزينة لدمغ المرحلة والمنحرفين ورافضي الرفض وجواري الأممية الجنسية من تلاميذ إميل حبيبي، لا أن يستقبلوهم بالترحاب في بيوت العزاء ويفردوا لهم صدارة المأتم. إن من يكون رفيقا لتلاميذ مدرسة الإستشراق الأممي لا يصلح أن يكون رفيقا لجورج حبش. يمكنه أن يكون أخا لعرفات أو رفيقا لحواتمه أما لجورج حبش فلا.

ما الذي تريده فئة صهيونية معتدلة مثل حزب الشعب من جورج حبش سوى الإساءة إليه ولشيوعيته ، أو التكسب على حساب صموده الإستشهادي؟ ما الذي يريده مؤبن يفارق لغة الواقع إلى البوح الرومانسي في الحديث عن جورج حبش، فيلجأ إلى المصطلحات النظرية والبلاغية العامة واللون الأحمر، سوى القول -خاب سعيه - أن جورج حبش كان (منا آل البيت)؟ ماذا سيقول عن جورج حبش في واقع الممارسة دون أن يدين نفسه ومدرسته وحزبه؟ ماذا سيفعل سوى أن يغالط الناس عن واقعه الرديء باستغلال (اللباس الشرعي) للشيوعية؟ فحينما قال ماركس أن الإنسان ابن مجتمعه لم يقصد أنه ابن مجتمعه بتبني رداءة المرحلة، قصد أنه ابن مجتمعه بوعي الواقع وتغييره، أي وعيه بالرفض وليس بالتبعية والتسليم كما فسرته الأحزاب الشيوعية العربية لاستدخال إسرائيل بعد أن استدخلها الإتحاد السوفياتي، وكأن حيفا هي قطعة من روسيا. لقد فهم جورج حبش بفكره وحسه النزيه الفرق بين الواقع والممارسة في السياسة، وبينهما في الإلتزام الثوري ، لذلك كان رافضا ، لا (مزينا لنجوم السينما) مثل غيره.

عرف جورج حبش بفروسية الإلتزام الثوري الفرق في العلاقة الرفاقية بين الحب والجنس الثوري، فناصر المرأة وأحبها لا كمنحرف جنسيا كما فعل سفهاء الأممية الكاذبة ، ولكن كرفيقة درب ومناضلة ملتزمة، وليس للترفيه عن القيادات الرفاقية؟ فلماذا محاولة الخلط الخبيثة للأوراق بين شيوعية جورج حبش وشيوعية المنعظين بشأن المرأة؟

لا أدري إذا كانت الشيوعية قد تطرقت إلى عنصر السذاجة لدى بعض الثوريين بشكل مباشر، ولكن إذا كانت قد فعلت فمن المؤكد أنها حرمته وأحلت مكانه عنصر الطيبة الواعية. هذه الطيبة الواعية أي الثورية لا يمكن أن تسمح، مثل السذاجة، لممثلي مدرسة إميل حبيبي حاملة لواء لاأخلاقية الإلتزام، بالوقوف على قبر جورج حبش أو تاريخه الوطني والقومي والرفاقي. وإذا كانت طقوس تقبل العزاء واجبة، فيجب أن يلزم المعزي وصاحب العزاء حدودهما تجاه المتوفى. وهذا ما لم يفعله المعزي طلعت الصفدي من جانب، أو الدكتور عادل سمارة ونشرة كنعان الألكتونية من جانب آخر، فتبادلا المجاملات مع فارق النوايا على حساب جورج حبش ثالث أقطاب الشهادة الفلسطينية والعربية بعد عبد الناصر وصدام. لقد استغل المعزي الموقف لتسويق شعاراته الكاذبة والتشدق بأسماء شهدائه الحزبيين من حلفاء الصهيونية في حضرة وتحت مظلة عظيم من عظماء الإلتزام مثل جورج حبش. لقد وصل به الأمر حد التبجح بجريمة مخابراتية منحطة حينما ذكر بدون أي خجل أو تحفظ ، المتخلف المسكين عبد الكريم قاسم ليعيد إلى الأذهان مذبحة القوميين في العراق على يد التحالف بين الشيوعيين والمخابرات البريطانية ونظام المهداوي. ولا أظن أن المضيفين في نشرة كنعان الألكترونية ، يعتقدون أن جورج حبش كان يتبنى جرائم حلفاء المخابرات ضد القوميين العرب، حتى يسكتوا عن هذا الكلام الفاجر. ولكنهم بدل أن يردوا على طلعت صفدي ويرذلوه بل ويصفعوا موقفه، وقفوا يدافعون عن أطروحته الشعارية التي يستحي بمستواها طالب مدرسة ابتدائية، أمام ( فريق التواصل الألكتروني في وزارة الخارجية الأمريكية )، وكأنهم يدافعون عن كتاب "الأيديولوجية الألمانية ". وحتى لو كان المصدر صحيحا فالرد موجه إلى جورج حبش ورفاقه وليس بالقطع إلى طلعت صفدي. ما قصده المصدر هو ترذيل موقف الرفض والمقاومة الذي كان جورج حبش ممثله الوحيد. ومن ناحيتي فأنا أميل إلى الإعتقاد أن للمعزي أو أحد رفاقه في الحزب ضلع في الأمر. فالكلام يشبه كلام ليبرالي من أصل شيوعي. ولكن هذا ليس مهما ، ألمهم لماذا لم يتركوا المعزي يدافع عن نفسه إذا شاء، ولماذا إذا أصروا على الرد لم يردوا من موقع الدفاع عن فكر جورج حبش وليس من موقف الدفاع عن شخص لا يجوز الربط بينه وبين جورج حبش على أي مستوى؟ لعلهم كانوا ضحية للسذاجة أو حتى الخداع.

وإلى الراحل العظيم أقول:

سيدي!

لقد اعتدنا الإساءة إلى أنفسنا وإلى شهدائنا بقصد وبدون قصد. طحنت وعينا الهزائم المتلاحقة، كما رأيت، إلى درجة الذهول. ولكنني اعتقدت دائما أن أحدا لا يستطيع الإساءة إليك أنت بالذات، لأنك شمس المرحلة وأكثر نصاعة ووضوحا من أن يجرؤ أحد على المشاغبة عليك. لم يكن عليك خلاف في نبل الإلتزام والسلوك والوعي، يتيح لفرسان المرحلة المدججين بزينة السلاح وحدها أن يخاطروا بالإساءة إليك. كان يرونك أمامهم دائما في زي المحارب مدججا بمهام الفروسية وليس بزينتها. لم يمسكوا عليك زلة تسيء إلى شرف المحارب أو إخلاصه أو نزاهته ليجلدوك بها أمام الناس. عرفوا أنك كنت أيضا شمس الوجدان لدى عامة الشرفاء من شعبك في كل المواقع، حتى ولو كانوا يحملون وعيا مختلفا، فكيف يواجهونك وهم الملوثون أمام شعبهم بالشكوك والشبهات والمناصب المجانية والثراء الفاحش؟ كيف يواجهونك وأنت الذي حينما أقالك شرف الفعل جلست في محراب الإلتزام. لو استطاعوا أن يمسوك بسوء لفعلوا ولو من أجل تبرير خستهم وضياع شرفهم.

لم أكن أخاف عليك من الإساءة لشخصك فقد كنت أعز من الشبهات. ولكني أراهم بعد موتك يتجرأون على نصاعتك بالتطفل وعلى نموذجك بالإنتساب ليجدوا لهم مكانا ولو عند قدميك. يريدون برثائهم الكاذب لك أن يسوّقوا أنفسهم بك. وليس هناك إساءة أعظم لديك ولدينا من هذه الإساءة التي تمجد شخصك وتسيء إلى التزامك. بمناسبة غيابك، كان الإلتزام يفرض علينا مبادرتهم بالشجب تذكيرا للناس بنموذجك الرائع في الإلتزام ، ونموذجهم المريع في الخيانة والإنتهازية، وقطعا للطريق عليهم في استغلال موتك. كانت فرصة للتفاخر من جانبنا بشرف موقف الرفض وفضح مواقف الوله المربحة بالتطبيع. ولكننا فوتنا الفرصة، في حين لم تفوتها عقولهم المريضة ، وورطونا في الإساءة إليك بشكل غير مباشر.

ألف هزيمة في ميدان المعركة ، ولا هزيمة واحدة في ميدان الإلتزام. ربما لم تقل هذا بلسانك، ولكنك لم تكن بحاجة إلى ذلك، فقد قلته بالفعل والممارسة.

لا حاجة يا سيدي لأي حزن من جانبك سوى أحزان الإلتزام في هذه المرحلة الهجينة من التاريخ. لا تحزن لأي سبب يخص مهمتك النضالية. نشهد أن كل صمود على الساحة أنت شريك أساسي فيه، وكل سقوط عليها هم شركاء فيه من ياسر عرفات ونزولا حتى ياسر عبد ربه.

Saturday, February 9, 2008

قصة ولادة «حركة القوميين العرب

غسان شربل الحياة - 28/01/08

كان ذلك في العام 1995. سألت الدكتور جورج حبش، في منزله في دمشق، عن إمكان عودته الى مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية بعدما
سبقه إليها الرئيس ياسر عرفات وآخرون إثر توقيع اتفاق اوسلو في 1993. وجاء رده صريحاً واضحاً: «أنا لا أستطيع المرور عبر معبر يرفع العلم الاسرائيلي. لا أستطيع قبول أي عودة مشروطة. مثل هذه العودة تخالف قناعاتي وتفوق قدرتي على الاحتمال».

شعرت يومها ان الأمين العام لـ «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» سيموت في المنفى بعيداً عن الضفة الغربية وغزة وبعيداً عن اللدّ التي ولد فيها قبل 82 عاماً.خشيت في تلك الأيام ان يغدر القدر بالرجل قبل ان يروي قصته وتجربته. وهي قصة مهمة وخطيرة ومثيرة على امتداد عقود من عمر المنطقة والعالم. زرته محاولاً استدراجه الى سلسلة «يتذكر». وكانت المهمة شاقة. فهذا القائد الفلسطيني لا ينتمي الى مدرسة البارعين في تلميع أدوارهم أو تسويق حكاياتهم. وأوضاعه الصحية لا تساعد على جلسات طويلة تفتح باب الاسترسال واستعادة المحطات ببريقها وخيباتها.
وفي النهاية تفهم دوافع الإصرار والإلحاح وكانت الثمرة أربع حلقات نشرت في مجلة «الوسط» بدءاً من 30 تشرين الأول (اكتوبر).

كانت الصفحة الأولى من «الحياة» في طريقها الى المطبعة حين بلغنا نبأ رحيل «حكيم الثورة» الذي أمضى سنواته الأخيرة في عمان،
فسجلنا خبر رحيله. ووجدنا البارحة ان خير تحية نوجهها الى هذا القائد الفلسطيني هو ان نعيد نشر مقاطع محدودة من حديثه الطويل تسلط الضوء على بعض المحطات.كان حبش لاعباً بارزاً على المسرح الفلسطيني. وكان لاعباً بارزاً على المسرح العربي ايضاً. أما على الصعيد الدولي فقد تحول في نظر جهات غربية كثيرة «إرهابياً» و «مطلوباً».وهنا بعض ما دار في الحوار:

ما هي قصة خطف الطائرات الغربية وإنزالها في «مطار الثورة» في الأراضي الاردنية؟- عملية خطف الطائرات الغربية الى الاردن كانت عملية ضرورية جداً بالنسبة الينا، واستغرقت عمليات الإعداد لها حوالي ستة اشهر، كان هدفها الوحيد - وأرجو ان يكون ذلك واضحاً للجميع - هو مقايضة الرهائن الاسرائيليين بالافراج عن المعتقلين في سجون العدو، ولم يكن هذا العمل موجهاً ضد السلطة الاردنية أو غيرها من الحكومات الاوروبية، اثناء عملية التخطيط كان يهمنا ان تهبط الطائرات في مكان آمن نستطيع الدفاع عنه، وفي الوقت نفسه ان يكون هذا المكان صالحاً لهبوط الطائرات، اذ بالطبع لا يمكن ان ننزل الطائرات في المطارات الحكومية سواء العسكرية او المدنية، وكان المخطط ان نخطف ثلاث طائرات، طائرة اسرائيلية، وطائرة اميركية، وطائرة سويسرية، وبالفعل وصلت ثلاث طائرات الى المطار ولكن لم تكن بينها الطائرة الاسرائيلية، لأنه عندما خطفت الطائرة الاسرائيلية من مطار امستردام، وقع اشتباك داخل الطائرة التي خطفتها الرفيقة ليلى خالد ورفيق من الاورغواي استشهد اثناء الاشتباك، فيما قبضت الشرطة البريطانية على الرفيقة ليلى خالد، وقد وصلت في البداية الطائرة السويسرية ثم الاميركية، وبعد مرور 18 ساعة وصلت طائرة ثالثة تطلب النزول وقد التقطنا طلبها عبر اجهزة الطائرات الجاثمة في منطقة صحراوية كان يطلق عليها اسم «قيعان خنا»، وهي منطقة منخفضة ذات تربة صلبة تتحمل هبوط الطائرات، واختير المكان بعدما استشرنا احد المهندسين المتخصصين في هذه المسألة، والطائرة الثالثة كانت بريطانية قادمة من أبوظبي وعلى متنها أحد رفاقنا يطلب اتخاذ الاجراءات اللازمة لنزول الطائرة، كان ذلك يوم 6/9/1970، اي قبل حدوث الاشتباكات الدامية مع الحكومة الاردنية.

كيف تصرفتم مع ركاب الطائرات؟- في البداية أطلقنا النساء والاطفال والمسنين وأوصلناهم الى عمان ومن هناك نقلتهم طائرات الى بلدانهم. وبعد ذلك قمنا بعملية فرز لبقية الركاب فأطلقنا بعض الركاب من بعض الجنسيات التي تتخذ حكوماتها موقفاً معادياً لقضيتنا، والباقون كانوا مواطنين يحملون جنسيات مزدوجة. بعد الفرز والتدقيق تبين ان هناك اسرائيليين على الطائرات (لكنهم كانوا يحملون جنسيات مزدوجة)، وقد عرفنا ذلك عندما اكتشف احد الرفاق مجموعة من جوازات السفر الاسرائيلية ملقاة في سلة المهملات. كان عددهم 51 اسرائيلياً وكانوا في الطائرات التي أتت من اوروبا، أما الطائرة التي أتت من أبوظبي فكانت تقل بعض الجنود الاميركيين القادمين من الفيليبين وتايلاند وكوريا. وقررنا بعد ذلك الاحتفاظ بالاسرائيليين في منطقة بعيدة عن مكان وجود الطائرات. في هذه الاثناء وصل الينا مبعوث من وزير الدفاع العراقي صالح مهدي عماش، حاملاً برقية منه تطالبنا بإطلاق سراح الرهائن، بالطبع نحن لم نستجب طلبه، وطلبنا من اللجنة الدولية للصليب الاحمر التدخل من اجل اطلاق المعتقلين الفلسطينيين في السجون الاسرائيلية، كما أرسل أبو عمار وفوداً سياسية ضم أحدها حامد ابو ستة عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، طالباً اطلاق الطائرات والرهائن لأن المنظمة بدأت تتعرض لضغوط سياسية كبيرة. كما ارسلت «فتح» مجموعات مسلحة تحت ستار زيارة الطائرات (لأننا كنا سمحنا للمواطنين بزيارة الطائرات في أوقات محددة) وقد حاولت احدى هذه المجموعات الاستيلاء على الطائرات من الداخل، لذلك منعنا اي شخص مسلح من الصعود اليها. كم يوماً استمرت عملية خطف الطائرات؟- احتجزنا الرهائن والطائرات الى 13/9/1970 اي لمدة اسبوع بعدما اتخذنا قراراً بنسف الطائرات، ونقل الرهائن الى عمان لاستكمال الاتصالات والمفاوضات مع الجهات الدولية المعنية، ويوم 16 ايلول (سبتمبر) اندلعت المعارك مع الحكومة الاردنية فكانت عملية حماية الرهائن تزداد صعوبة يوماً بعد يوم. في هذه الاثناء اتصلت بنا السفارة المصرية في عمان وقالت ان الرئيس جمال عبدالناصر يتمنى عليكم إنهاء موضوع الرهائن، على ان تتولى الحكومة المصرية عمليات نقلهم، ومتابعة المطالب التي اعلناها. وافقنا على طلب الحكومة المصرية لأن قضية الرهائن لم تعد تحتل مكاناً مهماً بالقياس الى ما هو حاصل من معارك ومجازر ولأن مصير الثورة ووجودنا أهم بكثير من الرهائن وهكذا أنهيت العملية من دون ان تحقق الهدف الاساسي منها وهو اطلاق المعتقلين في سجون الاحتلال.هل كان لوديع حداد دور في هذه العملية؟- بالطبع كان لوديع حداد دور اساسي فهو كان المشرف الأول على العمليات الخاصة، لكن تنفيذ العملية تم بقرار سياسي من الجبهة. في المناسبة كان وديع حداد موجوداً في منطقة خطف الطائرات لكنه غادر المكان قبل أيلول بأيام معدودة الى مكان آخر وتسلم الرهائن عقيد مصري اسمه ابراهيم الدخاخنة (سامي).

خلاف مع وديع حداد ألا تعتقد ان عمليات خطف الطائرات أضرت بالقضية الفلسطينية ورسمت لكم صورة ارهابية في العقل الغربي؟- الهدف الأساسي من خطف الطائرات هو محاولتنا إبراز القضية الفلسطينية لدى الرأي العام الغربي، لأن القضية الفلسطينية، خلال فترة ليست بالقصيرة، لم تكن واردة او معروفة بشكل واضح للغرب عموماً، وذلك بحكم سيطرة الحركة الصهيونية على وسائل الاعلام الغربية. وكان لا بد من كسر هذا الاحتكار عبر لفت الانظار الى القضية الفلسطينية. وهذا موضوع قديم أذكر ان بعض اساتذتنا في الجامعة الاميركية لفتوا انتباهنا اليه وطالبونا بعمل شيء لتنبيه الرأي العام الغربي، خصوصاً داخل الولايات المتحدة الاميركية. وفكّرنا نحن في أشياء كثيرة وكان من ضمنها موضوع خطف الطائرات. كنا مدركين منذ البداية ان عمليات خطف الطائرات لا تشكل عنوان مواجهة مع اسرائيل وأداة ضغط على الغرب بل وسيلة إبراز القضية الفلسطينية، لذلك عندما استنفدت هذه الوسائل أغراضها وأدت وظيفتها، قررنا وقف هذا النمط من العمليات. وكان هذا القرار الذي اتخذ في المؤتمر الوطني الثالث للجبهة موضع خلاف مع رفيقنا وديع حداد الذي استمر في هذا النهج بعد ذلك.

هل يمكن ان نسأل كيف اقتحم جورج حبش عالم السياسة ومعترك النضال؟ ومن أين كانت البدايات؟- حتى اكون صادقاً معك ومع نفسي فانني قبل نكبة العام 1948 كنت أعيش حياة عادية جداً، ولم تكن السياسة تشكل لي هاجساً خاصاً اذ لم اكن منخرطاً في اي تنظيم سياسي. وكنت قبل النكبة أقوم بدوري بحدود دور اي انسان وطني عادي، يحس ويعيش الاضطهاد الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني على يد قوات الاحتلال البريطاني والعصابات الصهيونية من قتل وتدمير واستيلاء على الأرض. وحتى تاريخ النكبة لم أقم بأي دور مميز على صعيد العمل النضالي. ومع حدوث النكبة بدأ التحول الحاد في حياتي باتجاه العمل الوطني والقومي. هذه هي البداية وتلك كانت البوابة التي دخلت منها معترك السياسة. تم ذلك كله تحت ضغط الاجواء العامة التي ولدتها النكبة وتشريد الشعب الفلسطيني وهزيمة الجيوش العربية، فالاجواء التي كانت سائدة في الوطن العربي عموماً وفي فلسطين ولبنان خصوصاً كانت تدفع بكل انسان حر الى ضرورة التفكير في الرد على النكبة. حينها كنت لا أزال طالباً في الجامعة الاميركية في بيروت حيث كان الجو العام في لبنان كله وفي الجامعة الاميركية خصوصاً وداخل المدارس، مشحوناً جداً وأكثر مما نتصور. في هذه المرحلة التحقت بجمعية «العروة الوثقى»، وكانت هذه الجمعية ذات نشاط قومي فعّال على الصعيد الاعلامي والثقافي، خصوصاً على صعيد الندوات العامة التي كان يحاضر فيها كثير من المفكرين والأدباء العرب حيث تركز النقاش في تلك الفترة، سواء داخل أروقة الجمعية او خارجها، على اسباب هزيمة الجيوش العربية وكيفية ضياع فلسطين والسبيل الى استردادها. وأعتقد بأن أهم الاجابات وأكثرها موضوعية وعلمية قدمها الدكتور قسطنطين زريق في كتابه الشهير تحت عنوان «معنى النكبة»، وكذلك الكتاب الذي أصدره ساطع الحصري وتناول فيه اسباب هزيمة الجيوش العربية السبعة أمام العصابات الصهيونية. والتي يمكن تكثيفها بالخلاصة الآتية: ان تفتت العرب وانقسامهم، وغياب وحدتهم كانت العامل الرئيسي وراء خسارتهم المعركة امام العدو. وقد تعرفت الى ندوات الجمعية الى الأخ الكبير المرحوم كمال جنبلاط، كما تعرفت الى شاعرنا العظيم عمر ابو ريشة الذي ألقى في احدى ندوات الجمعية قصيدة عصماء ألهبت مشاعر الحضور. وفي هذه الفترة كان يدور حوار فعّال داخل اسوار الجامعة بين الاتجاه القومي والاتجاه الشيوعي. وكان الخلاف يتركز على شرعية قرار تقسيم فلسطين والاعتراف به، حيث كان الشيوعيون يدافعون عن قرار التقسيم نظراً الى موقف الاتحاد السوفياتي المؤيد للقرار. وكنا نرى في موقف الشيوعيين تبعية مطلقة للاتحاد السوفياتي. كذلك كانت الانتخابات داخل الجمعية تدور بين الاتجاه القومي - ومن ضمنه البعثيون - والتيار الشيوعي، وكان الرأي العام يميل الى مصلحة القوميين، وبالتالي فإن نتيجة الانتخابات كانت لمصلحة التيار القومي، وقد ترشحت كنائب لرئيس الجمعية وفزت. وفي العام التالي ترشحت لمنصب رئيس الجمعية وفزت به.

في أي عام خضت الانتخابات للمرة الأولى؟- خضت الانتخابات للمرة الأولى سنة 1949، وكذلك في الأعوام 50 و51 ولم يكن نشاطنا مقتصراً على الجامعة بل تعدى اسوارها الى المحيط، وبالذات في المخيمات الفلسطينية في لبنان حيث كانت الاجواء السياسية مشحونة والناس تريد فعل اي شيء للرد على الهزيمة. وباشرنا الاتصال بالناس. ومن خلال هذه الزيارات التي كنت أقوم بها أنا والشهيد وديع حداد تعرفنا الى الرفيق أبو ماهر اليماني، والرفيق المرحوم أبو عدنان قيس (عضو المكتب السياسي للجبهة الديموقراطية لاحقا). بعد ذلك بدأنا بإجراء اتصالات مع القوى السياسية السائدة آنذاك، ولا سيما منها حزب «النداء القومي» وكذلك مع حزب «البعث» الذي كانت تربطنا به علاقات جيدة. جملة هذه الاتصالات طرحت علينا جميعاً السؤال التاريخي الكبير «ما العمل؟» وماذا علينا ان نفعل من أجل فلسطين؟ اتصلنا بحزب البعث وعقدنا حوارات جدية مع الرفاق البعثيين ومن بينهم ميشيل عفلق، وهم رفاق موضع احترام وتقدير، الا ان محصلة الحوارات والنقاشات أظهرت ان هناك خلافات تمحورت حول قضيتين جذريتين: أولى هذه القضايا مركزية القضية الفلسطينية، وضرورة التركيز على فلسطين باعتبارها القضية المركزية ومحوراً للنضال القومي، فيما كان حزب البعث يركز على قضايا التحرر الوطني، من دون ان يعني ذلك ان البعث لم يكن يأخذ القضية الفلسطينية في الاعتبار بل كان يدرجها في جدول مهماته، لكنها لم تكن تحظى بالأولوية. وثاني هذه القضايا التي كانت مثار خلاف مع البعثيين، موضوع الاشتراكية التي شكلت ركيزة اساسية في نضال البعث، حيث كنا نرى ان طرح هذه القضايا لا يزال مبكراً، وأن التركيز على القضايا القومية يجب ان يأخذ المكانة الرئيسية بعد القضية الفلسطينية

في تلك المرحلة كانت حركة «الاخوان المسلمين» احدى القوى الرئيسية الفاعلة في المجتمع العربي عموماً وفي مصر خصوصاً، ما هي نظرتكم الى هذه الحركة في تلك الفترة؟ وهل كانت بينكم وبينها اي حوارات، سواء في لبنان أم في الأردن؟- في لبنان لم يكن بيننا وبين حركة الاخوان المسلمين اي حوار او نقاش، اما في الأردن فكانت العلاقات بيننا في تلك الفترة علاقات عدائية، لأن موضوع التحرر الوطني كان طاغياً على كل الساحات العربية ومن ضمنها الأردن، والحركة لها موقف، والاخوان لهم موقف آخر مغاير بحكم طبيعة علاقاتهم وتحالفاتهم. اما في مصر، فلم يكن لنا وجود في مرحلة التأسيس، وبعد ذلك كانت العلاقة مع عبدالناصر والصراع بين عبدالناصر والاخوان هما اللذان يحكمان العلاقة بيننا.نواة حركة «القوميين العرب» في المرحلة التي شهدت الحوار والخلاف مع البعث هل كانت حركة القوميين العرب قد شكلت؟- في هذه المرحلة شكلنا نواة حركة «القوميين العرب». شكلت من ثمانية اشخاص أذكر منهم: وديع حداد وهاني الهندي وأحمد الخطيب وأنا، أما الاسماء الأربعة الاخرى فأعتقد انهم يفضلون عدم ذكر اسمائهم في هذه المرحلة. شكلنا هذه النواة وقررنا تالياً تأسيس التنظيم. حينها تساءلنا في البداية: ما هي شعارات هذا التنظيم، وكان الجواب: «وحدة، تحرر، ثأر». وكان شعار الثأر يشير بشكل اساسي الى عملية تحرير فلسطين. وبعدما بلورنا شعاراتنا التي كانت تعكس مضمون برنامجنا السياسي، برزت حركة جدل في اوساط الاطار المحيط بحركة القوميين العرب، تكثفت بالسؤال الآتي: لماذا لا نلتحق بحزب البعث؟ وفي ضوء ذلك التحق فريق من المحيط المتعاطف مع الحركة بحزب البعث، فيما بقي فريق آخر ملتحماً مع الحركة. وهنا أود لفت النظر الى مسألة في غاية الاهمية، وكانت تشكل لنا في حركة القوميين العرب ركيزة اساسية في رؤيتنا البرنامجية، وهي اننا كنا نرى في التلازم الجدلي بين تحرير فلسطين والوحدة العربية بعداً مهماً وضرورياً لا غنى عنه، لأننا كنا نرى في المشروع الصهيوني المندفع، مشروعاً استعمارياً توسعياً، يستهدف عموم المنطقة العربية والأمة العربية، وليس فلسطين فقط، وبالتالي ان مواجهة هذا المشروع يجب ان تتم من خلال مشروع قومي عربي يتجسد من خلال الوحدة العربية. ويكون في رأس جدول أعماله تحرير فلسطين باعتبارها جوهر الصراع وقضية العرب المركزية. ومن هنا كنا نشدد على قومية الصراع وقومية المعركة وقومية تحرير فلسطين. لكن البعث كان بعيداً نسبياً عن هذا الفهم الواضح. وأجزم بالقول ان تأكيدنا عملية الربط بين الوحدة العربية وتحرير فلسطين شكلت الأساس الذي خلّف امتدادات جماهيرية كبيرة وواسعة من حولنا، أوصلتنا بعد خمس او ست سنوات الى ان نكون احدى قوى حركات التحرر الرئيسية في المنطقة العربية.

عندما توضحت اتجاهاتكم القومية، بأي المفكرين كنتم متأثرين؟- من أبرز المفكرين القوميين الذين تأثرنا بهم قسطنطين زريق، وساطع الحصري. هل تأثرتم بفكر ميشيل عفلق؟- كنت أحب ميشيل عفلق وأقرأ كتاباته، لكنني كنت أتساءل: لماذا يغيب عن فكر ميشيل عفلق، وهو الكاتب والمفكر اللامع، قضية الكفاح المسلح لاسترداد فلسطين؟ اضافة الى اني لم أكن مقتنعاً في تلك الفترة بضرورة طرح شعار الاشتراكية، هذا الشعار الذي تبنته الحركة لاحقاً، اذ أصبح شعار حركة القوميين العرب «وحدة، تحرر، اشتراكية، استرداد فلسطين». أنا اعتبر ان تطور شعارات الحركة بهذا الاتجاه كان يعبر عن المسار الطبيعي لآلية هذا التطور.

الا تعتقد بأن إدخال شعار الاشتراكية أتى لتقوية عمليات المنافسة والصراع مع حزب البعث والشيوعيين؟- لا لم يكن الهدف من تبني الاشتراكية منافسة الشيوعيين او البعثيين وإنما كان نتاجاً طبيعياً لتطور فكرنا. كذلك لعبت الاجراءات الاقتصادية التي اتخذها عبدالناصر في مصر على صعيد عمليات التأميم وإعادة توزيع الملكية الزراعية عاملاً اساسياً في تبنينا شعار الاشتراكية الذي تبنته «ثورة يوليو» لاحقاً. عندما نضجت حال وعيكم السياسي والفكري في بداية الخمسينات هل فكرتم في الانتقال من اطار العمل في اوساط الجامعة الى الاطار الجماهيري الأوسع؟- نعم فكرنا في ذلك جيداً، وهنا برز سؤال مهم: هل نستطيع ان نأخذ على عاتقنا موضوع تشكيل حزب سياسي؟ كان جوابنا: اذا شعرنا بأن الشعارات التي نطرحها، خصوصاً في ما يتعلق بالكفاح والتمايز ستكون موضع تطبيق ونكون قادرين على تجسيدها وتمثيلها، حينها يكون جوابنا: نعم نحن قادرون على تشكيل حزب سياسي متميز. من هنا كانت مرحلة الأردن أول ساحة اختبار لقوتنا وسلامة شعاراتنا، وبالتالي مقدرتنا على بناء حزب وتنظيم جماهيري واسع.العيادة - «القيادة» عمان الخمسينات كانت المحطة الأهم في تاريخك وتاريخ حركة القوميين العرب، كانت العيادة وكان وديع حداد وكان الاختفاء، والأهم كانت تجربة بناء حركة القوميين العرب، كيف تنظر الى هذه التجربة اليوم وأهم المحطات فيها؟- بعد انتقالي الى عمان بستة أشهر عاد الرفيق وديع حداد الى عمان، وكنت تخرجت قبله بسنة. حينها قرر والدي ان يفتح لي عيادة في عمان، وكان والدي انساناً ميسور الحال يحبني كثيراً وأطلق لاحقاً على العيادة اسم «القيادة» لأنها كانت بمثابة غرفة عمليات لقيادة العمل الشعبي والجماهيري في الأردن. وهذه العيادة كانت تقع في شارع الملك طلال وقد بدأت العمل أنا والدكتور وديع حداد في العيادة بأجور رمزية جداً كنا نوظفها لسد بعض مصروفات الحركة. وفي تلك المرحلة كان الدكتور أحمد الخطيب عاد الى الكويت. وكان يتقاضى راتباً مقداره مئة دينار كويتي يحول منها تسعين ديناراً شهرياً كمصروفات للحركة. بدأت أنا والرفيق وديع بالدخول الى عمق العمل الجماهيري، خصوصاً وديع الذي كان دائم الحركة والفاعلية في الأوساط الشعبية، خصوصاً داخل المخيمات، حيث افتتحنا دورات محو أمية، وكذلك مستوصفاً لعلاج الجماهير. والجميع يعرف حالة الفقر التي كانت تئن تحته جماهيرنا في الأردن في ذلك الزمن. وكان لنا خط بناء آخر مواز للخط الجماهيري، يتمثل في بناء صلات مع الكثير من الشخصيات الوطنية في الأردن، وبالذات فئة البرجوازية الوطنية التي كان لنا بها صلات منذ أيام الجامعة الأميركية. وكان هذا بطبيعة الحال يعبر عن انفتاحنا على جميع فئات الشعب الوطنية. وعند اعادة قراءة تجربتنا في الأردن أستطيع القول بأمانة بأننا تمكنا خلال ثلاث سنوات من العمل الدؤوب والجاد، ان نوازي في قوتنا أحزاباً عريقة كحزب البعث، والحزب الشيوعي، وأصبحت حركة القوميين العرب احدى القوى الرئيسية العاملة في الأردن. خلال هذه الفترة أصدرنا صحيفة اسبوعية باسم جريدة «الرأي» التي رأس تحريرها الدكتور أحمد الطوالبه. ولعبت هذه الصحيفة دوراً مهماً جداً في التحريض على ضرورة تعريب الجيش الأردني، وطرد غلوب باشا الانكليزي رئيس هيئة أركان الجيش الأردني آنذاك. وأدى هذا بدوره الى قيام الحكومة بوقف الصحيفة.في تلك الفترة كانت سورية تشهد حالاً من الانفراج والليبيرالية، فأصدرنا الصحيفة من سورية، وكنا نوزعها في الأردن الى ان جرت تحولات محدودة في عمان في العام 1956 في عهد حكومة سليمان النابلسي تجسدت بانفراجات سياسية على الصعيد الوطني العام. حينها عدت الى الأردن بشكل طبيعي. وفي تلك الفترة جرت انتخابات نيابية عامة وخضنا الانتخابات بكتلة من أربعة مرشحين، ولم يحالفني الحظ في النجاح إلا اننا في حركة القوميين العرب اعتبرنا ان الأصوات التي حصلنا عليها جيدة (مع الأخذ في الاعتبار انني كنت حينها شاباً صغيراً وفي بداية تجربتي النضالية والسياسية) وانجاز معقول لحركة سياسية فتية كحركة القوميين العرب. هذا أولاً، وثانياً كنا نرغب في قياس مدى عمق صلاتنا بالناس والشعبية التي نتمتع بها. وبعد الانتخابات بعام تقريباً دخل عامل مهم أثر في طبيعة الحركة، وتمثل هذا العامل بانقلاب النظام في الأردن على حكومة سليمان النابلسي الوطنية عام 1957. وكان لهذا الانقلاب تأثير كبير علينا، لكنه أفرز تجربة مهمة، اذ اعتقل الرفيق وديع حداد، وقررت أنا الاختفاء داخل الأردن لإعادة بناء الحركة ومواجهة المرحلة المقبلة التي كانت تتسم بالتسلط والقمع والملاحقة وكذلك البدء بممارسة الكفاح المسلح ضد العدو الصهيوني. وكنت أثناء اختفائي أقود العمل اليومي والسياسي داخل الأردن وفلسطين بشكل رئيسي. وبقيت على هذا الحال الى ما بعد قيام الوحدة بين مصر وسورية اذ غادرت الأردن الى سورية في كانون الثاني (يناير) عام 1959.

هل كانت بنى حركة القوميين في الأقطار الأخرى ناضجة؟- ليس في كل الأقطار العربية، ففي لبنان أكملت الحركة نضجها نسبياً، وأصبحت تنظيماً هرمياً من القيادة الى القاعدة. وكان من أبرز الشباب النشطين في تلك الفترة محسن ابراهيم، وشاب آخر على قدر كبير من الأهمية في كفاحه ونشاطه، خصوصاً في الجنوب اللبناني وهو المرحوم محمد الزيات الذي غادرنا مبكراً عن عمر يناهز 32 عاماً. وللإنصاف لعب المرحوم محمد زيات دوراً مهماً في أواخر الخمسينات اذ خاض الانتخابات النيابية في مواجهة قوائم وتكتلات للعائلات التقليدية والاقطاع الجنوبي، ولا بد من ذكر دوره بوصفه أحد الأركان المهمين في قيادة الثورة العام 1958 في لبنان ضد الرئيس كميل شمعون، هذه الثورة التي انطلقت من الجنوب اللبناني وامتدت لاحقاً الى مختلف الأراضي اللبنانية. وبالطبع كان هناك الرفيق أبو ماهر اليماني والرفيق أبو عدنان قيس والكثير من الرفاق المخلصين.أما في سورية والعراق فكان وضع الحركة أقل نضجاً وأكثر بطئاً في فاعليته من لبنان والأردن، وذلك يعود الى وجود حزب البعث في كل من سورية والعراق بشكل قومي وفعال. الا ان تجربة القوميين العرب في كل من اليمن وليبيا والبحرين تستحق التوقف أمامها.حصار بيروت كان حصار بيروت الامتحان الأصعب للمقاومة الفلسطينية، كيف كان الحكيم يعيش يوميات الحصار؟- بطبيعة الحال كنت في بيروت عندما بدأت المعارك وكنت أمارس مهماتي الداخلية والخارجية. وكان لدي عشية الاجتياح مشروع لتوحيد القوى الديموقراطية في الساحة الفلسطينية لمواجهة العدوان الاسرائيلي المتوقع، والمخططات المرسومة لتصفية المقاومة. ولكن حتى أكون صريحاً معك لم نكن نتوقع ان تأتي الضربة الكبرى من اسرائيل مباشرة. كنا نعتقد ان الضربة المباشرة ستقوم بها الرجعية اللبنانية ممثلة بالجبهة اللبنانية ووحدات عسكرية نظامية. وتم تشخيص ذلك في مقررات المؤتمر الرابع للجبهة. وكان في ذهني باستمرار وجود مخطط لضرب المقاومة، وكان حجم هذا المخطط قائماً على اعتبار الرجعية اللبنانية أداته بالدرجة الأولى، ثم اسرائيل التي قد تكون حدود عدوانها الجنوب اللبناني فقط.

كيف تقوّم أداء المقاومة في اجتياح 1982 بأمانة وصدق؟- سأجيب عن سؤالك بمنتهى الصدق والمسؤولية: أداء المقاومة في مواجهة الاجتياح كان متفاوتاً. كان بائساً بمظهره الرئيسي في الجنوب وأقصد صور وصيدا، على رغم المواقف المشرفة التي شكلت مظهراً ثانوياً في بعض المواقع مثل النبطية وقلعة الشقيف وأرنون، وخاض خلالها المقاتل الفلسطيني قتالاً بطولياً ومشرفاً، وكان مثالاً للتضحية والتفاني. لو كانت المقاومة في الجنوب منظمة لتغيرت النتائج بعض الشيء، ولما تشجعت القيادة الاسرائيلية على الاندفاع وتوسيع رقعة الاجتياح باتجاه بيروت والجبل. وعندما اتضح المخطط الاسرائيلي وحجمه كنت على يقين انه لا يمكن ان يصمد في مواجهة هذا المخطط إلا إرادة جبارة بكل معنى الكلمة. ولم يكن في ذهني غير قرار الصمود وتحويل بيروت الى ستالينغراد ثانية في مواجهة الغزاة. وفي أول اجتماع للقيادة الفلسطينية عقدناه في منتصف حزيران (يونيو) قلت: نحن صامدون ومن يريد الصمود فليبق ويقاتل، وكانت الغالبية منسجمة مع هذا الرأي. خلال حصار بيروت كان أداء الثورة الفلسطينية في القتال أكثر تنظيماً، وقدم المقاتل الفلسطيني على مدار 86 يوماً من الحصار مثلاً رائعاً. دافع المقاتلون عن بيروت المحاصرة دفاعاً مستميتاً في ظل صمت عربي رسمي وهجوم اسرائيلي اطلسي مركز وكثيف، وعلى رغم قرار الخروج الذي حكمته جملة اعتبارات لبنانية داخلية وعربية واقليمية، شكلت معركة بيروت صفحة مشرفة في تاريخ الثورة الفلسطينية والأمة العربية، ولا يمكن لأي قائد فلسطيني ان يتجاهل التضحيات الكبيرة والجسيمة التي دفعها الشعبان الفلسطيني واللبناني ثمناً لهذا الصمود.أثناء فترة الحصار هل تعرضتم لضغوط من الحركة الوطنية اللبنانية، للخروج من بيروت؟- في البداية كان قرار الجميع الصمود، ولكن مع مرور الوقت واشتداد الحصار، وتطبيق اسرائيل سياسة الأرض المحروقة، وشل كل مرافق الحياة بدأنا جميعاً نقوّم المرحلة وندرس امكان الصمود ومدى نجاعته. وعلى اثر تقويمنا المشترك بدأت أقتنع بأن لا ضرورة للعناد والدخول في مواجهة انتحارية، خصوصاً ان الموضوع لم يعد موضوع المقاومة والحركة الوطنية، بل اصبح موضوع الجماهير اللبنانية وشعاره تجنيبها المزيد من الضربات والخسائر، لأنني بت مدركاً ان شعار تحويل بيروت الى ستالينغراد أخرى مستحيل.

عندما كان أبو عمار يفاوض فيليب حبيب عبر الرئيس شفيق الوزان وبعض الشخصيات اللبنانية هل كان يطلعكم على تفاصيل هذه المفاوضات؟- يصف أبو عمار نفسه دائماً بأنه انسان ديموقراطي لكنه لم يكن كذلك، فهو لم يكن يطلعنا على تفاصيل مفاوضاته بالكامل مع فيليب حبيب، لذلك عليك ان تسمع لأبي عمار ثم تقوم أنت باستنتاج ما يريده أو ما يعرفه.

قرار الخروج من بيروت، كيف تبلور؟ من اتخذه؟ ومن عارضه؟- الغالبية الساحقة من قيادة المقاومة شاركت في اتخاذ قرار الخروج وأنا واحد منهم. ولكن كيف تبلور قرار الخروج؟- الواقع ذاته هو الذي بلور قرار الخروج من بيروت، خصوصاً بعد اشتداد الحصار إذ أصبح لا بد من أخذ حال الجماهير اللبنانية في الاعتبار، وكذلك موقف الحركة الوطنية اللبنانية. ومن عارض قرار الخروج من بيروت؟- اعتقد ان هناك بعض القيادات التي عارضت الخروج سواء داخل منظمة التحرير أو داخل كل فصيل، وعلى صعيد الجبهة كان الرفيق ابو ماهر اليماني من معارضي الخروج، اضافة الى خمسة اعضاء من اللجنة المركزية للجبهة.

ماذا عن علاقتكم في «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» بكارلوس، وهل تعرفونه جيداً؟- كارلوس مناضل ثوري وأممي، وبحكم انتمائه للفكر الثوري، جاء وتطوع للنضال الى جانب الشعب الفلسطيني وانتمى الى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ونحن في الجبهة الشعبية وفي الثورة الفلسطينية، كنا على الدوام نستقبل بكل ترحاب، كل أممي يأتي للانضمام الى ثورتنا ومناصرة قضيتنا، وكارلوس واحد من هؤلاء المناضلين. وشعبنا الفلسطيني الذي ضحى وناضل ولا يزال في سبيل حريته واستقلاله يدرك معنى الانتماء والتضحية، ولن ينسى كل من ناضل وضحى الى جانبه في نضاله المشروع، بل سيبقى حافظاً لهذا الجميل من دون أن يأبه لتشويهات الأعداء، لأن نضاله الذي حفظته له شرعة الأمم المتحدة يعتبر بنظرهم إرهاباً، بينما اسرائيل التي تمارس الإرهاب الرسمي على مستوى الدولة هي الضحية! ان تزوير حقائق التاريخ ليس بالأمر الهين أو السهل وان انطلى هذا التزوير لفترة فهو لن يدوم، وحديثهم عن الارهاب لن يضيرنا أو يخيفنا، بل سيجعلنا اكثر تصميماً على مواصلة النضال والتمسك بقيمنا الثورية والوطنية العادلة التي يحاول الغرب الرأسمالي تشويهها واعتبارها قيماً ماضوية طواها الزمن. معرفتي الشخصية بكارلوس معرفة عابرة، وعلاقته المباشرة كانت مع الرفيق الشهيد وديع حداد الذي كان مسؤولاً عن العمليات الخارجية في الجبهة.

وداعاً يا حكيم




يرحل الحكيم (جورج حبش) في لحظة حالكة من تاريخ الشعب الفلسطيني، وفي وقت تتكاثرفيه العقبات والمصاعب أمام مسيرة كفاحه البطولي من أجل نيل حقه المشروع في الحياة الحرة، في وطن مستقل.
ولعل الحكيم، بشخصيته الفذة، والقوية ومناقبه الأصيلة، ونبله اللانهائي هو خير من يجسد هذه المسيرة البطولية، وخير من يمثلها، وخير من يحمل رايتها. أليس هو مؤسس حركة القوميين العرب أول من رفع السلاح من أجل فلسطين؟ أليس هو مؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين؟
لذلك فإن غيابه يستدعي ليس فقط حياته الشخصية وسجله النضالي الكبير الحافل، وإنما تاريخ هذا الشعب وكفاحه عبر قرن من الزمان.
وفي حديث يأتي على عجالة لا بد من الوقوف أمام المفاصل الأساسية لحياة الحكيم وعطائه ومواقفه، ولأن الرجال بمواقفهم يعرفون، فقد كانت الوحدة الوطنية الفلسطينية تشكل موقفاً راسخاً وأساسياً عند الحكيم، بل كان هو صمام أمانها وهو حارسها وداعيتها الأول، كيف لا وهو الذي كان يذكر دائماً بأن البنادق كلها يجب أن تتجه إلى العدو، وهو الذي كان في كل موقف وصدام سياسي تصل فيه الخلافات إلى حدها الأقصى، يصر على الحوار الديمقراطي والحوار وحده والمعارضة النظيفة، هما عنده الحل الوحيد لأي خلاف فلسطيني ـ فلسطيني.
وكما كان الحكيم وحدوياً، فإنه كان عروبياً بامتياز، ليس بحكم الأيديولوجيا، بل بحكم الوعي العلمي المنهجي الرصين لقضية فلسطين وظروفها التاريخية ولإيمانه العميق بحق الأمة العربية في التوق للحرية والازدهار. وكما كان فلسطينياً وعروبياً كان الحكيم مناضلاً أممياً بارزاً ألهم الآلاف من المناضلين حول العالم كرمز لليسار العربي الأممي، ورمزاً للكفاح من أجل الحرية التي لم تكن عنده لتتجزأ، بل كانت كلاً متكاملاً حرية إنسان وحرية وطن.. حرية سياسية وحرية اجتماعية واقتصادية وفكرية.
وكانت العدالة في جوهر فكر الحكيم ومن هذا الجوهر استمد أفكاره عن تحرير المرأة وحقوقها، فكان لا يهادن فيها ولا يساوم كعادته في قناعاته الراسخة ومواقفه الصلبة.
ولأنه يدرك العدو وطبيعته دعا الحكيم لبناء القوة ليس على الصعيد المادي، بل على الصعيد الروحي والفكري وكان يقول: قد نخسر معركة أو حرباً على جبهة القتال، ولكن يجب أن نحمي جبهتنا الفكرية لأن هزيمة الفكرة تعني أنه قضي علينا.
آمن الحكيم بالثورة طريقاً إلى فلسطين.. وأفنى حياته في سبيلها فكان شهيد النضال الطويل الذي لم يتزعزع إيمانه يوماً ولم تكل عزيمته، ذلك كله كان بعضاً من جورج حبش، الرجل الذي لا يفيه حب العالم حقه!!.

اما فلسطين و اما النار جيل بعد جيل


نم بسلام يا جورج حبش ، يا رفيق الدرب.


الصادق هجرس

لقد هزني وهز رفاقي الشيوعيين الجزائريين رحيل رفيقنا جورج حبش، أحد أبرز قادة النضال التحرري الوطني للشعب الفلسطيني وشعوب العالم العربي ونضال الأنسانية من أجل الانعتاق والاستقلال الوطني والتقدم الاجتماعي. ضد الامبريالية العالمية والامريكية خاصة، ضد القمع والتعصب والظلم الطبقي والتفرقة العنصرية.

نعم، إن رحيل الرفيق الكبير جورج حبش هو رحيل أحد رفاق الدّرب مهما كانت اشكال إختياراتنا في منطلق حياتنا لأن الطريق الطويلة للكفاح أثبتت أن هذه الإختيارات تشترك في نفس المنبع وتحركها نفس الدوافع النبيلة من اجل عمالنا، وشعوبنا، من أجل الإنسانية جمعاء.

إن الجرح عميق ولكن الشعلة ستبقى مرفوعة يبثها بالحياة عناد شعوبنا وعمالنا في نضالها الدائب ضد الإمبريالية، ضد الصهيونية وضد عملائها. من أجل التحرر من التبعية وضد جميع اشكال الاستغلال.

لقد كان لي الشرف والسعادة بلقاء الفقيد في بلدي الجزائر بعد خروجي من الكفاح السري عام 1989 وكانت ظواهر المرض العضال لم تزل بادية عليه، ولكن حيويته وحضورة الفكري والذهني أثرت فيّ بشكل عميق وزادت من إعجابي بهذا الرفيق العظيم جورج حبش الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

إن الرّوابط بين شعبينا الفلسطيني والجزائري عريقة عراقة التاريخ سواء على مستوى الحركة الوطنية أو الحركة العمالية والشيوعية، وأنا أذكر بأعتزاز منذ شبابي مواقف الحزب الشيوعي الجزائري الذي إنخرطت فيه عام 1951 قبل ان أصبح عضواَ في مكتبة السياسي وسكرتاريته الى ما بعد استقلال بلادي عام 1962 أتجاه كفاح الشعب الفلسطيني العريق ثم بعد تأسيس سليله حزب الطليعة الأشتراكية في الجزائر عام 1966 في ظلام سنين القمع، والذي بقيت سكرتيرة الأول حتى نهاية عام 1990 قبل اندثاره عام 1992 في ظروف مأساوية.

لقد قطع المئات من المواطنين الجزائريين البسطاء نصف الطريق مشياُ على الأقدام للوصول الى جبهة القتال في فلسطين في المعركة التي افشلتها الخيانة ضد الاستعمار البريطاني والعصابات الصهيونية عام 1948 وكنت في حينها مناضلاً في حزب الشعب الجزائري.

إن مشاعر التضامن الأخوي التي أعبرّ عنها هي كذلك مشاعر جميع الشيوعيين الجزائريين وجميع التقدميين تتجه إلى عائلة الفقيد الراحل وإلى رفاقنا في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وإلى كامل الشعب الفلسطيني الشقيق، إلى جميع فصائل حركة التحرر الفلسطيني.

إني على يقين بأن هذه المشاعر الرفاقية والأخوية ستحصل على أوسع انتشار في كل مكان، في هذه اللحظات من نضال شعبنا ضد الأمبريالية وعميلتها الظلامية الأصولية.

المجد والخلود لذكراك يا رفيق الدرب جورج حبش.

وداعاً جورج حبش.. يا ربيع الثورة

آرا خاجادور

بعد ساعات قليلة من رحيل المناضل الإنساني العربي الفلسطيني «جورج حبش»، وصلتني تعزية من المناضل أبي نافع من قلب الوطن الجريح العراق؛ العراق المحتل الذي يُقتل فيه العراقيون بالطريقة نفسها التي يُقتل بها أشقاؤهم الفلسطينيون، ومن ذات الجهات وبذات الأدوات، ولذات الأغراض. وهذه هي الرسالة نصاً:
«ببالغ الحزن وعظيم الكرب تلقينا نبأ رحيل القائد الثوري والمناضل الصلب والعدو الحقيقي للصهيونية والامبريالية الرفيق جورج حبش.
نعزيكم ونعزي أنفسنا وكل ثوار المعمورة.
آه كم هي كبيرة لوعتنا نحن أبناء شعب العراق حيث تخلو ساحتنا داخل الوطن اليوم من قائد ثائر بحجم الراحل الكبير.
المجد والخلود والذكر الطيب لحكيم الثورة الفلسطينية».
نقلت رسالة أبي نافع حزني من وضع إلى آخر، فسألت: لماذا يتبادل الشيوعيون العراقيون الحقيقيون التعازي على رحيل مناضل قومي أصيل وماركسي حقيقي؟ وهذا السؤال يعني أننا ربما بدأنا بتلمس جرحنا الذي يؤكد أهمية تعاون التقدميين على اختلاف توجهاتهم السياسية ومنطلقاتهم الفكرية، ويدعو إلى الأخذ بأسلوب الحكيم الثوري، القائم على الثقة الواعية والاحترام المتبادل، لقد كان المناضل الكبير يتعامل بذات الدفء والإخلاص مع كل أطراف حركة التحرر الوطني العربية، وكان يتعامل مع الآخرين كما يتعامل مع نفسه ورفاقه، وقد لمست شخصياً من البطل الفلسطيني التواضع الثوري في القول والعمل، حيث كان يركز في تناوله على الهموم الخاصة بشعبه المناضل، ولا يقدم العظات للآخرين، وقد حافظ الراحل على تواضعه في ذروة المد الثوري، وكان واضحاً للغاية في تحديد هدفه، كما كان يمقت الحذلقة والمساومات، وعاش هموم شعبه عن قرب.
أقول اليوم، وأنا على ثقة تامة من أن دور رجل مثل جورج حبش لا ينتهي بمغادرته هذه الدنيا: سيظل الراحل ملهماً لكل الطامحين إلى العدل والحرية. ولا أجد حرجاً هنا في استعارة بعض ما قاله السيد طلال سلمان عن الحكيم في (السفير) 28/1/2008، حيث قال: «... لم يكن جورج حبش سياسياً، بالمعنى المألوف للكلمة... ربما لهذا لم يتحرج من تبديل الإيديولوجيا، ولكن دائماً بهدف استنقاذ الحلم: تحرير فلسطين... لكنه عاش مناضلاً في مختلف الساحات. وعاش دائماً حيث يفرض عليه النضال». أؤكد، كابن بلد يعيش تحت وطأة الاحتلال، بأن الإخلاص بحد ذاته قوة جبارة في ساحات النضال، والحكيم الراحل كان عصارة إخلاص..
تحياتي وعزائي لعائلة الفقيد، ولكل رفاق دربه، وكل الطامحين إلى حشد القوى الخيرة في معركة العدل ضد الظلم والسيادة ضد الاحتلال.
ستظل فلسطين عموداً باسقاً وعالياً في خيمة الشعوب الحية، المناضلة، والمحبة للكرامة والسلام.
نم قرير العين أيها الأخ والرفيق والصديق الكبير.. ولن تخلو الدنيا من ربيعها.
نثق معاً بأن للشعوب عودتها... والعود أحمد.
المجد لك.. والصبر لعائلتك ورفاقك ومحبيك..
كانت حياتك تستحق كل التقدير، وهل يطمح المناضل إلى أكثر من ذلك؟

Thursday, February 7, 2008

جورج حبش ... رجل المبادىء والمواقف الثورية


محمد العبد الله

ساعات قليلة تفصلنا عن انتهاء اليوم الأخير لمجلس العزاء بـ "الحكيم" في مخيم اليرموك بمدينة دمشق، وحزن مقيم فينا يمتد على أيامنا منذ مساء يوم السبت 26/1/2008، عندما توقف ذلك القلب الكبير المفعم بالإصرار والتحدي عن الخفقان في أحد مشافي العاصمة الأردنية. طوال تلك الأيام والساعات الثقيلة لم أستطع فيها أن أكتب عن الراحل العملاق.

الكلمات التي يغذيها دمع العين تعجز عن الرثاء والنعي، فكأن الواحد منا ينعي قطعة من جسده وروحه، نحن مَنْ تفتحت عقولنا قبل عيوننا على اسمه الذي تداولناه بيننا في العائلة والمدرسة الثانوية قبل أربعة عقود ونيف. فهذا الاسم الذي مَثَلَ لنا المناضل القومي المنتمي لأمة عربية واحدة، الذي وهب حياته من أجل العمل على توحدها الحقيقي قي سبيل "تحررها واستردادها لفلسطين". هكذا تعرفت على الإسم أولاً، ثم على المبادىء والأهداف والقيم لاحقاً. لقد اختزل الحكيم في حياته الممتدة على مدى ستة عقود تاريخاً لأمة بدأت تتلمس طريق نهضتها وتحررها الوطني بإطار جماعي. فمع البدايات الأولى لبلورة وعيه النظري/الثقافي الجنيني في جمعية "العروة الوثقى" أثناء دراسته الطب في الجامعة الأمريكية ببيروت بدأت ترتسم الخطوط العامة لتكوين طالب كلية الطب القادم من مدينة "اللد" الفلسطينية، المنكوبة كشقيقاتها بالإنتداب البريطاني، الذي يظلل التمدد السرطاني لليهود، المتنوع الأشكال "استعماراً للأرض، جرائم التشكيلات العسكرية المسلحة" والذي أمسى منذ منتصف عام 1948 واقعاً احتلالياً في صيغة الكيان الصهيوني. جاء الرد سريعاً من الحكيم وزملائه فقرروا انشاء "كتائب الفداء العربي" التي تَرَكَز عملها الفردي في بعض العمليات "الثأرية" المحدودة التي استهدفت مراكز يهودية، والتي لم تكن أكثر من ردة فعل مارسها بعض من الشباب المتحمس الذي أدرك لاحقاً أهمية العمل الجماهيري المنظم، ومن هنا بدأ تشكيل النواة الصلبة لـ"حركة القوميين العرب". كوكبة من الشباب انزرعت في تربة الوطن العربي الكبير، وبدأت بذورها في النمو، إذ روتها الأجيال الملتحقة بالنضال القومي بالعرق والدماء، فالمئات منهم سقطوا شهداء على طريق الكفاح المسلح _ العنف الثوري المنظم كما عبّرعنه الحكيم _ في فلسطين وجنوب اليمن، والآلاف الأخرى عرفت كل أصناف الاضطهاد والقمع والاعتقال في سجون الأنظمة العربية المغرقة في تخلفها ورجعيتها.

جورج حبش المسكون بالفكر القومي/الإنساني، الحالم بوحدة هذه الأمة وتحررها، عمل من أجل تحقيق مبادئه على بناء المؤسسة/التنظيم/الحزب المستندة إلى التطور الطبيعي للبعد النظري/الأيديولوجي في رفد الحركة التنظيمية "الشرائح والقوى الإجتماعية المغادرة أو المنضوية في البنية الداخلية للحركة" والتي انعكست تفاعلاتها في الخطاب السياسي/الاجتماعي لبيانات وتعاميم وأدبيات الحركة والجبهة لاحقاً. وقد واجه في مسيرة التطور تلك "دعاة فكر" طفولي توضحت دلالات مراهقته اليسارية باكراً على الموقف الوطني وفي بعده النظري. في خضم تلك التفاعلات الداخلية، لم تدفعه المواجهة للإرتداد نحو الإنغلاق، بل فتحت له أبواباً مشرعة نحو المزج الخلاق بين النظرية الماركسية-اللينينية والفكر القومي. يقول الحكيم في هذا الصدد (أنا ماركسي، يساري الثقافة، والتراث الاسلامي جزء أصيل من بنيتي الفكرية والنفسية، معنيّ بالإسلام بقدر أي حركة سياسية اسلامية، كما أن القومية العربية مكوّن أصيل من مكوناتي ... إنني في حالة انسجام مع قوميتي العربية ومسيحيتي وثقافتي الاسلامية وماركسيتي التقدمية). وقد ساهم الوضوح النظري اليساري، المستند إلى جلاء صورة العدو الاحتلالي الاجلائي العنصري، بأن شَكَلَ للحكيم وللجبهة، صمام أمان فكري/سياسي منعها من الإنزلاق _كما اندفع بعض أدعياء اليسار_ للرهان على دور مايسمى بـ"اليسار الاسرائيلي".

لقد أدت الإنعكاسات الدراماتيكية المفجعة لهزيمة الخامس من حزيران 1967 على كل تشكيلات العمل الحزبي القومي في الوطن العربي فكراً وممارسة، وانعكست بشكل واضح على برنامج ونشاط "حركة القوميين العرب" التي ربطتها بالناصرية علاقات أثارت في محطات سياسية جدلاً واسعاً في صفوف الحركيين، عبرت عنه مجلة "الحرية" الناطقة بإسمها في تلك الفترة _مقالات محسن إبراهيم ومحمد كشلي تحديداً_، مما أدى لتسريع خطوات الانهيار في تشكيلات الحركة، واتخاذ بعض الأقاليم والفروع قراراً بـ"حل نفسها". لم يتأخر الحكيم ورفاقه في الفرع الفلسطيني للحركة على صوغ الإجابة على الهزيمة التي أدت لاحتلال الضفة والقطاع وأراض عربية أخرى، فبدأ التنشيط لمجال الحركة النضالي، الذي بدأ قبل سنوات عديدة بالتوجه نحو استطلاع إمكانية العمل الجماهيري والمسلح داخل فلسطين المحتلة عام 1948، وقدم شهيده الأول "خالد أبو عيشة" فوق تراب الوطن، وهذا ما وفر مع عوامل عديدة سرعة تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي أثبتت حضوراً متميزاً في نشاطها الجماهيري وعملياتها المسلحة ضد قوات الاحتلال الصهيوني. أتاح للجبهة تلك المكانة الأساسية والمتقدمة في المشهد الكفاحي الفلسطيني ومؤسسات عمله الجماعية. ومع اندفاع القيادة المتنفذة لمنظمة التحرير في برنامجها التسووي، أكد الحكيم رفضه التبريرات التي قدمتها تلك القيادة لتعاطيها مع الأطروحات الانهزامية والاستسلامية تحت ذريعة التعامل مع ما هو مطروح للحصول على "الممكن"! وهذا ما عبر عليه رده على كل سياسة الإذعان والخنوع والتفريط بصرخته التي عكست نبض قلب كل مناضل (الثورة الفلسطينية قامت لتحقيق المستحيل لا الممكن) لأن شكل "الدولة الفلسطينية" الموعودة في بنود الإتفاقات المذلة، التي عبّر عنها "اتفاق أوسلو" كما يراها الحكيم (لا يمكن إلاّ أن تكون كاريكاتوراً، لأن السلطة الفلسطينية قبلت بالعمل على تقديم التنازلات تلو التنازلات).

تميزت مسيرة كفاحه الطويلة بمحطات نضالية استثنائية، يشهد له أعداؤه قبل رفاقه، بأنه تعامل معها بصلابة لا تعرف المهادنة. فكل تجارب العمل السري، ومواجهات "أيلول الأسود" بالأردن وصولاً لغزو لبنان، أكدت شموخ وبسالة هذا الرجل الذي يؤكد (لا وجود لليأس في قاموسي، ولا أستطيع التسليم بانتصار دائم للظلم) فكل من عرفه طوال مراحل نضاله أكد أن الحكيم يمتلك إرادة فولاذية لا تؤثر فيها وحشية أدوات العدو الرهيبة (تستطيعون أن تدمروا بيوتنا لكنكم لاتستطيعون تدمير إرادة المقاومة فينا). هذه الإرادة التي صمدت أيضاً في وجه المرض واعتلال الجسد، فلا إرهاق القلب ولا إصابة الدماغ استطاعت أن توقف العقل والجسد عن الدور النضالي المتقدم الذي يتطلبه دور الأمين العام للجبهة الذي شغله الحكيم حتى المؤتمر السادس للجبهة الذي انعقد عام 2000. وفي بادرة استثنائية في العمل الحزبي العربي، قرر د. جورج حبش التنحي، ليتيح لآخرين في الجبهة تبوء هذا المنصب، الذي شغله رفيق دربه "أبو علي مصطفى" الذي اغتالته قوات العدو بمكتبه في رام الله بصاروخ أطلقته إحدى طائراتها في الثامن والعشرين من آب/أغسطس عام 2001. غادر الحكيم موقعه كمسؤول أول للجبهة، لكنه بقي في قلب الحدث/الصراع، انتقل إلى ساحة أخرى لا تقل أهمية عن سواها، إلى حقل الدراسات النظرية والفكرية من أجل التفرغ لكتابة تاريخ حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية وتجربته النضالية. كما عمل على تأسيس مركز "الغد العربي للدراسات" من أجل دراسة أسباب الهزائم المتتالية التي أصابت المشروع القومي التحرري، بما يتطلبه ذلك من استنهاض للقدرات الفكرية لدى نخبة من المفكرين والكتاب، لدراسة تاريخ الصراع العربي الصهيوني ونتائج ذلك على كافة المستويات. لقد أشرف الحكيم على المركز الذي استطاع تزويد المكتبة العربية بعشرات الكتب والدراسات الهامة، في ظروف مالية صعبة وقاسية، واستطاع مع القلة القليلة المحيطة به في المركز العمل الدؤوب من أجل تذليلها. لم يتوقف جهد الدكتور جورج حبش عند ذلك، فقد عمل وتابع الفكرة الأساسية التي انطلق منها مبكراً: العمل على تشكيل نواة عمل قومي تلتئم في اطارها القوى القومية واليسارية المناضلة من أجل صياغة الرد على المشروع الامبريالي الصهيوني في المنطقة.

في تجربة الحكيم العديد من الدروس والعبر، إذ توحد فيها الخاص والعام، وامتزج فيها النضال الوطني بالقومي ومن ثَمَ بالأممي والطبقي. ومع تطور مراحل المسيرة الفكرية والسياسية والكفاحية تلك، يتلمس المدقق في بعض محطاتها السياسية الأبرز بعض الاجتهادات التي واكبتها بعض الانتقادات من الحلفاء الأوفياء والأنصار المقربين من التجربة، لأن العديدين منهم كانوا يرون في مواقف المؤسس نزوعا نحو التطهرية. في السنوات الأخيرة من عمره الزاخر بالعطاء والبحث، كان تركيزه على ضرورة القراءة النقدية لتجربة العمل القومي العربي، بهدف التوصل إلى رؤية جديدة ومتجددة تسعى لإرساء بنية جدية لحركة عربية يسارية موحدة، تنهض بمهام المواجهة للمشروع الإمبريالي الصهيوني الذي يستهدف الأمة العربية والوطن الكبير، تاريخاً ووجوداً ومستقبلاً. وهنا أستحضر ما كتبه "سعد محيو" في مقالته المنشورة قبل أيام عن الحكيم (كان الأجدى بأن يتواجد جورج حبش في قمرة قيادة القومية العربية لا في غرفة قيادة الجبهة الشعبية) وأضيف، أنه كان بمقدور الحكيم التواجد بنفس الموقعين نظراً للتداخل العميق في مهمات الحركتين.

قبل توقف القلب الكبير بساعات، كان أحبته في المشفى. القلة منهم تتناوب على الدخول لغرفته، كان يسألهم عن تطورات الأوضاع في فلسطين، وخاصة في غزة الصامدة المقاتلة. ألح على الاطلاع التفصيلي على أحوال شعبه هناك، وعندما علم أن الجماهير التواقة للحرية وللدواء والغذاء قد اقتحمت المعبر بأمواج بشرية هائلة حطمت الحدود المصطنعة بين أبناء الأمة الواحدة، ارتسمت علائم الفرح على قسمات الوجه الجميل الذي أنهكه المرض، لتأتي الكلمات معبّرة عن الأمل/الحلم الذي حمله المناضل القومي والأممي (ممتاز..ممتاز..سيأتي حتماً اليوم الذي تهدم فيه الحدود التي صنعتها سايكس – بيكو ويتحقق حلم الوحدة). إنه شعبك كما عرفته أيها المؤسس، فقد تنفس الهواء خارج السجن، واشترى بدراهمه وكرامته الغذاء والدواء، ولم يمارس التخريب والنهب كما تفعل قطعان الغوغاء في أكثر من مكان. وقد أكدت نساء هذا الشعب أن دورهن لا يقل عن دور الرجال، إذ تحولت أياديهن وهن يطرقن بوابات الجدار في مبادرتهن التاريخية _كما طرق الشبان في رواية غسان كنفاني جدار الخزان _ إلى معاول هدم ليس للسجن وحده وإنما لعقلية وممارسة السجان.

رحل الحكيم جسداً وبقيت روحه وأفكاره منغرسة في وجدان وضمير كل وطني، خاصة وأن المبادىء العظيمة التي حملها ونقلها للأجيال التي تربت في مدرسته السياسية والأخلاقية ما زالت متوهجة. فطوال سنوات عمره المديدة، أعطى الحكيم لأمته وشعبه كل ما يملك، وغادر الحياة وهو لا يملك _بالمعنى المادي الذاتي_ شيئاً. لم يعرف الحكيم حياة الترف والامتيازات، وهو ما أكد عليه أمين عام حركة الجهاد الإسلامي الدكتور "رمضان عبد الله شلح" في اليوم الثاني لتأبينه في مجلس العزاء (لم يُوَقع الحكيم في حياته على شيك). عاش راحلنا الكبير عفيف اليد واللسان، وكان نموذجاً للآلاف من القيادات والكوادر والأعضاء في زهده بالحياة المادية ومظاهرها، ولنا في حياة الشهداء" وديع حداد، أبو علي مصطفى" كل الدلائل على ذلك السلوك، ناهيك عن القادة الأحياء الذين تبوءوا أرفع المراكز في الجبهة على مدى العقود الأربعة المنصرمة من تجربتها، والذين قدموا للشعب والأمة القدوة في التواضع والنزاهة.

في حضرة الموت كانت روح الحكيم تملأ القلوب والعقول، وفي داخل الكنيسة حيث كان الجسد الطاهر النبيل مسجى، كانت المبادىء الثورية التي زرعها في الأجيال تملأ المكان. لكننا نتقدم منك _أيها المقيم فينا، داخل أرواحنا وعقولنا_ بالاعتذار الشديد لما شهدته قاعة الكنيسة، فقد أتاحت طقوس الوداع تواجد بعض "المهرولين" بالقرب من جسدك، الذين امتدت أياديهم لتدنس نعشك الملفوف بالعلم الفلسطيني وبراية الجبهة الحمراء، هذه الأيدي التي تراكضت لمصافحة الصهاينة، والتي تمادى بعضها الآخر ليوقع لهم في مدينة "جنيف" وثيقة التنازل عن القضية التي وهبت عمرك لها، وليشطبوا _واهمين_ حق شعبك بالعودة لوطنه الذي ناضلت طوال سني عمرك من أجل تحقيقه.

يا حكيم أمتنا وشعبنا: لقد ودعك شعبك وأمتك بما يليق بك، فمن اللد إلى سخنين مروراً بكل مخيم وبلدة فلسطينية داخل الوطن الفلسطيني، وصولاً إلى العديد من المدن العربية، تحولت مجالس العزاء بك، لمهرجانات وطنية تستلهم الدروس من حياتك. غصت كل الأماكن بأبناء شعبك وبكل أحبتك من القوى والشخصيات العربية المناضلة، ولم يتأخر المناضلون الأمميون عن المشاركة، فالغيفاريون الجدد، بناة الاشتراكية في أمريكا اللاتينية، كانوا حاضرين من خلال سفيرة فنزويلا البوليفارية في مجلس عزائك باليرموك، كان ثوريو العالم معنا في مجالس تخليدك، والذين لم يستطيعوا الوصول، بعثوا رسائل الوفاء لك ولقضيتك.

أبا ميساء: نم قرير العين، فالقضية التي ضحيت من أجلها لا زالت تتلألأ متوهجة في أحداق عيون الملايين من أبناء أمتك، تحميها سواعد وبنادق أبناء شعبك في الكتائب والسرايا والقوى العربية المقاتلة في العراق ولبنان من أجل تحرير الأرض والإنسان.

يا حكيمنا: إن غاب جسدك عنا، فروحك الكفاحية تملأ هواءنا وأرضنا، فالثوريون لا يموتون.

Wednesday, February 6, 2008

إلى الكبير جورج حبش


نجاح واكيم


كنت صغيراً عندما انتقلت اسرتنا إلى مدينة عالية. هناك تعرفت، في من تعرفت، إلى أولاد كانوا في مثل عمري. كانوا يشبهون الآخرين في

كل شيء، إلا أن لهجتهم كانت مختلفة قليلاً. وكانت على وجوههم مسحة شقاء وحزن تشبه الصلاة في صوت أمي عندما كانت تسكب الصلاة كل مساء في نعاسنا، أنا وأخواتي، وحكايات الطفل والمذود والمغارة وصلب المسيح وقيامته. هكذا ارتسمت في عيني فلسطين واللاجئون، واليهود الذين سرقوا فلسطين ويسرقون الأطفال لكي يأخذوا دمهم ويبيعوه.
يعيش جمال عبد الناصر، صدح في مدرستنا صوت فتاة فلسطينية من آل البيبي. وانطلقت، من فلسطين، في الأرض زوابع وثارت براكين. من السويس إلى جبال الأطلس، ومن أدغال الكونغو إلى غابات كوبا. من الشرق إلى الغرب ومن الغرب إلى الشرق. وتزاحمت الأسماء والصور والوجوه. بعضها كان يأتي من البعيد... باتريس لومومبا، كوامي نكروما، أحمد سوكارنو، ماوتسي تونغ، كاسترو، غيفارا...وبعضها كان يشرق من القلب، عبد الناصر، أحمد بن بلا...واحدة كانت كأنما قد نسجتها خيوط الصلاة في صوت أمي على هتاف تلك الفتاة الفلسطينية. كانت الصورة لجورج حبش.
.....
.....
كان أحمد بن بلا يتحدث بحيوية وتدفق عن تلك المرحلة العظيمة، الحميمة إلى القلب والوجدان. وعن الكبار الذين انطبعت أسماؤهم ووجوههم على اعمارنا، من آخر الطفولة إلى مطلع الشباب. ذلك عندما القيته أول مرة في غرفة متواضعة، تحت الدرج، في أحد أحياء باريس.
-ولكن لماذا انكسرتم؟ قلت.
-كان علينا أن نعمل الكثير وأن نتعلم الكثير. كانت تركة الاستعمار ثقيلة على بلداننا وشعوبنا. وكان علينا أيضاً أن نقاتل في معارك متشابكة متواصلة لا تنتهي. أميركا، وهذا النظام العالمي الجائر لم يتركا لنا فرصة لالتقاط الأنفاس. قاتلنا على كل الجبهات بشجاعة وشرف وعناد و...تخبط. عملنا الكثير... وهزني بن بلا من كتفي، جمال، جمال عمل الكثير. ثم بدأنا نسقط تباعاً.
-ومن أجل تجديد حركة التحرر العربية والعالمية، ما العمل؟ سألت.
-هذا بالضبط ما يجب العمل من أجله. هذا هو السؤال الذي لا بد من الإجابة عنه.
وفي مرة تالية التقيته في بيته في أحد أحياء باريس. كان ذلك مساء يوم الأحد في 6 حزيران سنة 1982. كانت الدبابات الإسرائيلية قد توغلت عميقاً في لبنان. حملّني رسالة إلى جورج حبش، إلى جورج حبش بالذات قال، فهذا الرجل أثق به: إسرائيل ارتكبت غلطة استراتيجية كبرى، غلطة العمر، فلا تنقذوها من غلطتها. لا تخرجوا من بيروت.
هنا، في بيروت، بين انفجارات القذائف ودوي القصف والنيران والحطام، التقيت الحكيم أول مرة في حياتي. نقلت الرسالة. كان الرجل ممزقاً بين "أصدقاء وحلفاء ورفاق" يلحون عليه بأن يرحل، ويثقلون وجدانه ببيروت "التي حضنت المقاومة"، وبالدم الذي "يهرق عبثاً". وبين جروج حبش المقاتل المؤمن العنيد. طيّب، نخرج من بيروت، قال، ولكن إلى مخيماتنا، نقاتل فيها وحدنا حتى الطلقة الأخيرة والرمق الأخير. لكنه عاد وخرج من بيروت ومن لبنان. انتصر عليه أولئك "الأصدقاء والحلفاء والرفاق"، وبيروتهم التي حرام أن تهدم، والدم الذي قالوا إنه يهرق عبثاً. كان ذلك قبل مجزرة صبرا وشاتيلا.
إلى دمشق، حيث أقام جورج حبش بعد النكبة الثالثة، كنت أذهب إليه كل أسبوع تقريباً، بالطائرة عبرمطار لارنكا. كانت الطريق مقطوعة، وكات بيروت آنذاك في قبضة إسرائيل وجماعتها ترفرف عليها أعلام "الحرية والسيادة والاستقلال"، تماماً كما هي اليوم. وكانت، كما هي اليوم، عدوة لدمشق.
كنت أحمل إليه عذابات الفلسطينيين في لبنان الذي استعادت له "سيادته" دبابات إسرائيل وجهود الطيب الذكر فيليب حبيب. كنت ألم له نتفه من أنين الفلسطينيين تحت التعذيب، وأغرزها في جراحه...
-هل أخطأنا بأن خرجنا من بيروت؟ سألني غير مرة.
-نعم، قلت، ألف مرة.
كنت أعذبه. كنت أنتقم لجورج حبش من الحكيم. كنت أنتقم له من أولئك "الأصدقاء والرفاق والحلفاء". وكان في سحيق عذابه يغمرني بعطف أبوي ومحبة وتسامح.
تكررت اللقاءات، وكان ذلك السؤال الكبير يلح على عقله ووجدانه، على روح الثورة المتأججة فيه، على روح الثورة المتجددة فيه. يجب إعادة إحياء حركة التحرر العربية، ولكن كيف؟
كيف؟...
....
.....
وكان الرجل الثائر الكبير جورج حبش، يتطلع حوله في هذا العالم. لقد غاب الكبار، ماتوا أو انكفأوا. تركوا الميدان وغابوا في أعماق الأرض، في وجدان الناس المقهورين. أحس بالغربة فانكفأ.
غاب الثوار المبدأيون وحضر الشطار "الواقعيون". وحضر الباعة والدلالون والسماسرة. من كمب ديفيد إلى أنابوليس، وما بين هذا وذاك، أسواق تفتح على مزادات وأسواق تقفل على مناقصات.
وتبقى فلسطين أكبر من قطعة أرض. بل أكبر من وطن.
هي الشاهد الحي على وحشية الحضارة الراسمالية وهمجية استعمارها البشع.
هي جرح كل المعذبين في الأرض، كل الشرفاء في الأرض، هويتهم وقضيتهم وثورتهم.
الذين يريدون منها قطعة أرض لن يعطيهم أحد حبة تراب منها، ولن تعطيهم هي من ذاتها حبة تراب. والذين يؤمنون بها قضية تختصر كل معاني الكرامة والحرية والعدالة والانسانية، لتعطيهم فلسطين مجدها وقدسها.
الذين قالوا إنها تعبت من اجتراح القيامة لم يعرفوا فلسطين أبداً، ولن يعرفوا فلسطين أبداً.
على تراب كل شهيد هناك يولد بطل كمثل جورج حبش.
وهذه غزة التي كسرت أمس الحصار، لهي ألف فالوجة تكسر الحصار، تعد بألف ألف جمال عبد الناصر.

التجربة النضالية الفلسطينية .. شهادة الحكيم جورج حبش..


احمد دحبور


من واجبنا تجاه القائد التاريخي الحكيم، جورج حبش، وقد اصبح جزءا عضويا من ذاكرة فلسطين والفلسطينيين، ان نحاول الاقتراب من فهم

حضوره وكاريزميته المتميرة.واذا كان هذا ممكنا بجمع الذكريات والوثائق والشهادات، فإن الاولى ان نلتقط جانبا من شهادته الشخصية لندرك معنى انه هو، جورج حبش الفلسطيني، العربي، المناضل الذي لم يكف عن متابعة الشأن الفلسطيني حتى وهو في طريقه الى لقاء ربه.وقد تصدى لهذه المهمة، الصحفي الفلسطيني المرموق محمود سويد الذي فوجئ بالحكيم، وقد انطبق عليه قول المتنبي في الامير الفلسطيني الطبراني بدر بن عمار بن اسماعيل:يحدث عن نفسه مكرهاكأن له منه قلبا حسودافبعد ثلاثة ايام موصولة الليل بالنهار، من خريف عام 1997 نجح محمود سويد في انتزاع القليل - ولكنه مفيد وهام- من ذكريات الحكيم الذي قلما صرف من عمره المنذور للشأن العام وقتا للشهادة الشخصية، وقد رحل الحكيم عنا يوم 26-1-2008 وقد بلغ ثلاثا وثمانين سنة، وكان اثناء حوار سويد معه - قد بلغ السبعين او زاد عنها، فكان على الكاتب الصحفي الصبور ان يراهن على ذاكرة هذا الشاب الذي لا يشيخ، فينفذ من شقوق طفولته في اللد، الى مكونات وعيه التي اسست شخصيته التي نعرف، وصولا الى حكمه واناته وقراءته لتاريخ كان مشاركا في صناعته، فهذا القائد الزاهد بالامجاد الفردية، لم يشر الى دوره الشخصي الا مضطرا، عندما حاصره السائل بالاستفسار عمن اطلق على حركة القوميين العرب اسمها، فأجاب شبه معتذر، وبعد تردد انه لا يحب ان يعطي الحديث طابعا شخصيا، ولكن للتاريخ ووجه الحقيقة، افاد بما نعلم: انه هو صاحب الفكرة والتسمية، وستبدأ مسيرة الرجل بواقعتين ليستا شخصيتين، على قربهما الشخصي الحميم واسهامها في فتح عينيه على المشهد الفلسطيني، الاولى يوم توفيت شقيقته الكبرى وهو طبيب ناشئ في مقتبل العمر، فلم يتمكن الاهل من مواراة جثمانها التراب الا قرب البيت، اذ تعذر الوصول الى المقبرة، والثانية يوم استشهد امين حنيحن، ابن جيرانه الذي رفض ان يخضع لأوامر التفتيش فأطلق الجندي الصهيوني ناره عليه امام امه وشقيقته، وبعد تلك السنوات الطويلة، يأخذ الحكيم الشاب وهو في ريعان السبعين، نفسا عميقا ويسأل محاوره: تسألني لماذا اخترت هذه الطريق؟ لماذا صرت قوميا عربيا؟ هذه هي الصهيونية، وبعد ذلك يتحدثون عن السلام؟ هذه هي الصهيونية التي عرفتها ورأيتها.وهذا الذي عرف ورأى، ينهي حواره، الذي تحول الى كتاب، بوصية الى الاجيال، مؤكدا - ان اهم ما يمكن ان انقله اليهم هو خلاصة تجربتي، وما احتوته من دروس، سواء كانت دروس الاخفاق او دروس النجاح، عليهم ان ينطلقوا من حيث وصلنا، لا لتكرار تجربتنا وانما لتخطي اخفاقاتنا واسبابها، وهذا مشروط بامتلاك الوعي والعلم والمعرفة.جاء هذا في كتاب الحوار الذي اصدره محمود سويد واصدره عام 1998 عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت بعنوان - التجربة النضالية الفلسطينية : حوار شامل مع جورج حبش- ويبقى علينا ان نقرأه ونتعلم، فماذا نحن واجدون؟.
العروة الوثقى
انهى الحكيم دراسته الابتدائية في مدينته، اللد، واخذه اهله، الى يافا، وظلت صورة الاضرابات والتظاهرات ماثلة في ذاكرته الغضة: يسقط الاستعمار، لا لوعد بلفور، ولسوف يذكر الفتى زملاءه في المدرسة الارثوذكسية في يافا، ولن يطيل المقام هناك، بسبب محدودية الاماكانات التعليمية، فينتقل الى مدرسة التراسنطة في القدس، ليعود الى يافا بعد عامين، ولا يلبث ان يقصد بيروت عام 1944 للالتحاق بالجامعة الامريكية، اما اهله فعادوا الى اللد بعد سقوط يافا في يد الاحتلال.في الجامعة الامريكية كان الشاب جورج حبش يدرس بكفاءة ويلعب الرياضة ويجيد السباحة، لكن هذا لم يصرفه عن همه المستجد الذي تجلى في قرار تقسيم فلسطين، ولم يكن ليفهم كيف - وهو الحالم بالوحدة العربية - يتعرض وطنه الصغير للتقسيم وقد كان جزءا من الوحدة التي يحلم وجيله بتحقيقها، الى ان اتاه زميل له، نابلسي، اسمه معتوق الاسمر، فدعاه الى اجتماع يتشكل من حلقة محدودة من الطلاب، من عشرين طالبا الى خمسة وعشرين، يرعاهم الدكتور قسطنطين زريق، فلبى الدعوة وراح يستمع الى دروس في القومية العربية وكيف يجب ان تنهض الامة، وسيكون لهذه الدروس اثر كبير في وعي الحكيم ومستقبله السياسي، مع انه لم يمكث في تلك الحلقات طويلا اذ لا بد من العودة الى اللد، ليشهد سقوطها الاليم، وتكون بالنسبة اليه، تلك فاتحة النكبة، لكن الحياة يجب ان تستمر، وعلى الطالب ان يتم تعليمه، فعاد الى الجامعة الامريكية، غير مكتف بالاستماع الى المحاضرات، بل ليجد نفسه في جمعية العروة الوثقى وقد توثقت صلته بزميله هاني الهندي ووديع حداد، وبالكويتي احمد الخطيب، والعراقي حامد الجبوري، وبصالح شبل الذي اظنه لبنانيا، وقد تركز نشاطهم على الشأن السياسي، واشار ابو محمود، هاني الهندي، الى وجود شباب يشاركونهم التفكير فانضموا اوضموهم اليهم مشكلين - كتائب الفداء العربي- وكان منهم جهاد ضاحي السوري وحسين توفق المصري، وقد حاول الاخير ان يغتال الرئيس السوري في حينها، وهو الدكتاتور اديب الشيشكلي، ولم يوافق جورج وهاني وجهاد على ذلك، فقد تبلور لديهم ايمان بأن الوحدة العربية، ولا سبيل غير، هي الطريق الى تحرير فلسطين.
حركة القوميين العرب
وبقراءاتهم لكتب قسطنطين زريق وساطع الحصري قطع وعيهم شوطا في الفكر القومي، وهو ما مهد لنشوء القوميين العرب، فلم يذهبوا الى الحزب السوري القومي لأن مشروعهم كان يركز على القومية العربية، ولا الشيوعيين لأنهم كانوا مصدومين من موقف الاتحاد السوفييتي المؤيد للتقسيم، فضلا عن نفورهم القومي، في حينه من الماركسية، ويورد الحكيم سببا غير مقنع لعدم ذهابهم الى حزب البعث بسبب ضعف اهتمامه بالقضية الفلسطينية ولكن الحقيقة التاريخية تقول ان البعثيين قد وضعوا فلسطين نصب اعينهم منذ البدايات، وقد شارك اكرم الحوراني - من قيادات البعث البارزة فيما بعد - عام 1948 في حرب فلسطين، واستشهد هناك بعثيون كالضابط فتحي الاتاسي، كما استقطب البعث شخصيات فلسطينية مثل عبد الله الريماوي الذي كان من قيادات الصف الاول، ولم يلبث ان تميز شاعران لامعان من فلسطين في صفوف البعث هما يوسف الخطيب والشهيد كمال ناصر، وعندي ان السبب الحقيقي لعدم انصهار القوميين العرب في البعث هو حساسية ابناء البرجوازية الصغيرة هنا وهناك من تنافس وحذر وعدم تواصل فيما بينها، ويذكر ان القوميين العرب كانوا يعتمدون مرجعيات من خارج التنظيم ككتابات قسطنطين زريق وساطع الحصري اللذين لم يكونا منهم، اما البعث فقد استقل بكتابات ذاتية انتجها امثال ميشيل عفلق وزكي الارسوزي وصلاح البيطار، وقد كانت سورية والعراق اهم ساحتين لحزب البعث، بينما انتشرت حركة القوميين - حسب رواية الحكيم الموثوقة- في الاردن ولبنان على نطاف واسع.ويقول الحكيم في رصد تلك المرحلة ان الشباب قد اطلعوا على تجربة الوحدة الالمانية والوحدة الايطالية، والقرآن، وكتب التاريخ، ولم تكن الماركسية واردة في تفكيرهم الذي بدأ عام 1948 ولم يفكروا في التنظيم قبل عام 1951، وكانت بداية حماسية حتى ان احمد الخطيب قدم تسعين دينارا من اصل مئة دينار هي جملة مرتبه الاول من الوظيفة، وذلك في خدمة التنظيم الناشئ.كانوا يفكرون في تنظيم حديدي على مستوى القيادة، ويطمحون الى قيادة جمعية ومركزية مرنة، مؤمنين بما يسميه جورج حبش القيادة وسط القاعدة، اي القيادة المنبثقة من اوساط المناضلين، لا المملاة عليهم بقرار فوقي، وكان يبدو له وديع حداد انموذجا لذلك، وقد وصفه بجيفارا المنطقة العربية، اما محسن ابراهيم الذي انضم الى الحركة فيما بعد، فقد طرح فكرة التحول الى حزب، الا ان الحكيم والاخرين قرروا ان ذلك سابق لأوانه وان المهم هو الانتشار في صفوف الشعب اندية وجمعيات، وكان الطموح عربيا، فهؤلاء الشباب الذين جمعتهم قضية فلسطين كانوا يفكرون في مصير الوطن العربي من العراق وسورية الى المغرب، وكان لهم شعار مثير: وحدة، تحرر، ثار، دم، حديد، نار، الا ان الحكيم لم يشر في حديثه هذا الى الدم والحديد والنار، ولم تكن هذه اللغة الا تعبيرا انفعاليا عن لهفة الشباب آنذاك الى الثورة بمعناها الراديكالي المتطرف.
درجات الوعيالتاريخ لا يعرف الفراغ مهعما تكن حقائقه مرة وقاسية، واي قطع مع التاريخ هو قطع مع الحاضر، بهذه اللغة الحاسمة يحدد الحكيم جورج حبش فهمه للتاريخ والحاضر معا، وما دام التاريخ هو حاضن الراهن، فهو يقول حرفيا: لا اجد تناقضا بين اعتناق الماركسية والانتماء القومي، وقد تحققت هذه النقلة النوعية في رؤيته للماركسية بعد معاينة الواقع واكتشاف ان كبار البرجوازيين والرجعيين هم الذين حاربوا اول تجربة وحدوية عربية في تاريخنا المعاصر، فكان الرد عليهم بالتمسك بالديمقراطية والاشتراكية - لا يمكن تعبئة الجماهير الا من خلال الديمقراطية والاهتمام بقضاياها الحياتية- فضلا عن ترابط التحرر والوحدة، اضافة الى الوعي الاعمق لطبيعة المشروع الصهيوني وطبيعة الصراع ضده، اما على صعيد الجدل بين القومي والقطرية فكان لا بد من الحفاظ على علاقة متوازنة تجاه هذه المعادلة، وعدم السقوط في النظرية الاحادية التي تغلب جانبا على آخر، والنتيجة ان الموضوع الوطني - وهو هنا، فلسطين- مدخل الى البعد القومي - والقومية بالنسبة الي هي الاطار، هكذا يقول الحكيم، والاشتراكية هي المضمون، بمعنى ان علينا ان نعطي رؤيتنا واهدافنا القومية باستمرار مضمونا تقدميا.وحين يطل جورج حبش على هذه التجربة التي تشكلت مع تدرج وعي الجماعة، لا ينكر الاخفاقات والخيبات، بل يلتزم مبدأ المراجعة والنقد الذاتي فيقول: لقد تقدمت رؤيتنا وممارستنا في بعض الجوانب واخفقنا في جوانب اخرى، فنحن امام مهام واهداف كبرى تاريخية لا يمكن انجازها مرة واحدة، وتلك اشارة واضحة من د. حبش الى اهمية المرحلية التي سبق له ان رفضها عام 1974، الا انه، شأن اي مناضل يأخذ بمبدأ الممارسة والنقد الذاتي، سرعان ما انتقد تجربته في حزب العمل العربي الاشتراكي الذي هو عبارة عن فروع حركة القوميين العرب في لبنان وسورية والعراق وفلسطين، وقد قام على اساس الربط بين العمل القومي والعمل الوطني في كل قطر عربي، واساس نقد الحكيم لهذه التجربة هو ان الخطاب العام كان معنيا بمواجهة الامبريالية دفعة واحدة وهو خطاب غير دقيق، اذ علينا ان نركز الجهد على اسرائيل كمركز من المراكز الامبريالية، فهي العدو المباشر والداهم، والمطلوب فهم العلاقة بين دورها الذاتي في الحرب علينا وبين كونها جزءا من الامبريالية العالمية.
الجبهة الشعبية
كانت هزيمة العرب عام 1967 منعطفا نوعيا في تاريخ الصراع العربي الصهيوني، وفي القلب منه الصراع الفلسطيني الصهيوني. كانت فتح قد سبقت الى ممارسة الكفاح المسلح علنا منذ عام 1965، وتلك اشارة الى ان الظروف قد نضجت لمبادرة فلسطينية نوعية. ولم تأخذ القوى الوطنية هذا الموقف على عواهنه، فقد كانت لديها اسئلة مؤرقة حول نجاعة هذا الاختيار، وابرز هذه الاسئلة ما طرحه الشهيد غسان كنفاني بعنوان - فتح مدعوة الى النقاش - وكان يصدر عن موقف القوميين العرب وعن الحكيم على وجه الخصوص. كان النقاش يتعلق بالنضال القومي والقطري، والتناقض الرئيس والثانوي، والحرب النظامية والكفاح المسلح، الى آخر هذه الاسئلة الجادة التي يترتب على الاجابة عنها تحديد الموقف. وكانت حركة القوميين العرب تشدد على ان تحرير فلسطين يتم من خلال الوحدة العربية كما يكرر الحكيم، لكن الواقع العربي الذي اصطدم بخيبة أمل مبكرة اثر انفصال سورية عن مصر، وعدم نجاح الأنظمة الوطنية في بناء جبهة مواجهة حقيقية لصد المشروع الصهيوني فضلا عن عوامل ذاتية تتعلق بالوعي وبروز رموز عالمية نجحت في مواجهة الامبريالية في كوبا وفيتنام وجاذبية صين ماوتسي تونغ، هذه العوامل مجتمعة حفزت القوى الفلسطينية للتلاقي حول مشروع شعبي كفاحي. ومن هذه القوى كانت حركة شباب الثأر التي انبثقت من حركة القوميين العرب، وحركة ابطال العودة التي لم تكن بعيدة عن هذه البيئة التي انجبتها المخيمات الفلسطينية، وجبهة التحرير الفلسطينية التي اسسها احمد جبريل مانحا اياها طابعا يتميز بالحزم والبنية شبه العسكرية. وقد اجمعت هذه القوى على تشكيل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وكان الحكيم د. جورج حبش أمينا عاما لها وقد كتب الوثيقة الاولى للجبهة سنة 1969. الا ان هذه التشكيلة كانت دقيقة عندما اطلقت على نفسها اسم الجبهة، فهي لم تكن حزبا كامل التجانس، ولم يلبث احمد جبريل، الاقرب فكريا الى فتح من حيث الاختيار الوطني السابق للاختيار الايديولوجي، ان عاد فاستقل بتنظيمه الذي احتفظ باسم الجبهة الشعبية مضيفا صفة القيادة العامة لتلافي الالتباس. واللافت ان تصريحات القيادة العامة وبياناتها الاولى بعد الافتراق عن الجبهة الشعبية، قد اشارت الى تقارب نسبي مع فتح، ثم عادت سيرتها الاولى التي ورثتها عن الجبهة الشعبية في نقدها المر لحركة فتح وأبي عمار. اما الجبهة الشعبية فكان عليها ان تصمد لانشقاق آخر، اكثر ايلاما ادى الى ظهور الجبهة الديمقراطية. والمتأمل في تحولات الجبهة يرى الأمر شبه طبيعي، بالنسبة الى قوة شعبية طليعية تكافح لابراز شخصيتها الحزبية وكيفية اعتناق الماركسية التي لم تكن تتبناها في البدايات. وهذا ما يفسر أن الانشقاقات لم تخلق عداوات. فقد نجحت الظروف الموضوعية والذاتية وسعة أفق جورج حبش في استيعاب مبدأ التعدد والتنوع، حتى ان الجبهتين الشعبية والديمقراطية كثيرا ما شكلتا تحالفا وقدمتا مبادرات للم الشمل الوطني، ولا سيما بعد جريمة الانشقاق داخل فتح 1983.كانت الجبهة الشعبية تمارس نقدا لاذعا لما اطلقت عليه اسم القيادة المتنفذة في منظمة التحرير الفلسطينية. كان النقد في البداية ذا نبرة ايديولوجية حتى ان ادبيات 1969 لم تكن تتورع عن تسمية فتح باليمين الرجعي الفلسطيني.. الرجعي مرة واحدة؟ وكان الحكيم عاملا مهدئا في خفض وتيرة هذا الخطاب الذي كان يتبناه الفريق الذي اصبح فيما بعد هو الجبهة الديمقراطية. ولكن النقد الاعنف كان يدور حول الممارسات اذ لم تكف الجبهة الشعبية عن اعتبار فتح على يمين الثورة الفلسطينية.وتميزت الجبهة الشعبية في وقت مبكر بخطف الطائرات، وهو ما اشتهر به الدكتور وديع حداد. ويرى الحكيم ان هذه العمليات قد احدثت صدى عالميا - وجعلت العالم يقف على معاناة شعبنا - كما أن ظاهرة الكفاح المسلح بحد ذاتها جاءت ردا طبيعيا على واقع الهزيمة - ماذا ينتظر العالم من شعب يتعرض للاحتلال بأبشع تجلياته، في وقت يتجه فيه العالم نحو تصفية الاستعمار على مساحة الكرة الارضية بكاملها؟ - هكذا يتساءل د. جورج حبش، ومع انه يؤكد ان الجبهة قد اوقفت عمليات خطف الطائرات منذ عام 1972، الا انه يشدد على ان سياسات الاحتلال هي المسؤولة اساسا، وليس صحيحا او خلقيا تحميل الضحية مسؤولية صراع دموي فرض عليها. ويؤكد: نحن نريد تحرير فلسطين لا المساس بالمدنيين..
الانتفاضة واوسلو
يقول د. جورج حبش: يبدو لي ان ثمة عقلا جمعيا له منطقة، والا فكيف تفسر الانتفاضة؟ عندما كان هناك كفاح مسلح في الخارج كانت الجماهير في الداخل مطمئنة الى ان الثورة مستمرة، لكن عندما انسد الأفق الخارجي بدأت الانتفاضة..على أن وعي المثقف العضوي لحركة الشعب، يترتب عليه وعي ذاتي صاعد في لحظة جدل تنبىء بديمومة الثورة. فالحكيم لم يتوقف عند مدح العقل الجمعي الذي اطلق الانتفاضة، بل حدد تلقائيا مهام القيادة والانتجلنسيا، عندما قال مؤكدا اهمية الوحدة الوطنية: والوحدة هنا تأخذ ابعادها الخلاقة والابداعية على قاعدة الاقرار بالتنوع والفرادة والخصوصية، وهو ما نعتبره مكونا اصيلا للذات العامة.. وخارج هذا الناظم تتحول الخصوصيات الى مولد دائم للصراعات والاستنزاف الداخلي المدمر - وقد أخذ الحكيم هذا الدرس من تجارب الثورة المرة على الساحتين الاردنية واللبنانية، معيدا الى الأذهان انه انطلق اساسا في سورية الى العمل بين الجماهير - لكنهم زجوا بي في السجن - مشيرا الى تلك المرحلة التي شهدت الاعداد لانبثاق الجبهة الشعبية. وقد تمكن رفاقه من تخليصه من السجن بمبادرة شجاعة من د. وديع حداد، ولعل الحكيم لم يشر الى هذه الحادثة المشهورة حرصا على العلاقة الطيبة الراهنة مع سورية، مع أن النظام الحالي غير مسؤول عما فعل اسلافه يومذاك، بل ان الحكيم يؤمن بعمق بأهمية التعايش بين القوى الثورية الصاعدة والأنظمة الوطنية، يقول: - لنأخذ التجربة الفيتنامية، ففي فيتنام حدث تعايش ما بين الثورة المسلحة والنظام الحاكم - وفي سياق الوحدة الوطنية يعيد الحكم نجاح تجربة حزب الله الى توفر عناصر الوحدة الداخلية والعمل بين الجماهير واعتماد الحركة في استراتيجيته وتكتيكه بصورة بارعة، فضلا عن عوامل ذاتية كانطلاقة من على ارضه ووسط جماهيره والسرية التي احاط بها جهازه العسكري وقيادته. وعلى النقيض من ذلك، رأى د. جورج حبش ان اتفاقية اوسلو لم تكن مجرد خطأ في التدبير السياسي، اذ يقول: - ان مأساة اوسلو لا تعود الى حدث بعينه، انها حصيلة تاريخية لما سبقها من مراحل، بل يمكن القول انها حصيلة الهزائم المتراكمة عربيا واسرائيليا
- وهو لا يقصر الهزائم على النتائج العسكرية بل يشدد على الهزائم الداخلية - بمعنى عجزنا، والكلام للحكيم، عن تركيم وتأمين مقدمات الانتصار السياسية والاقتصادية والعملية والثقافية - ولا يغيب عنه، وهو المثقف العضوي الراسخ في انتمائه العربي، الى عطب آخر في الاداء الذي ادى الى اوسلو، هو، وهذا ما يقوله حرفيا: - عجزنا عن اطلاق فاعلية المجتمع العربي في كل الدول، وابقاؤه تحت رحمة الاستلاب والخضوع وقمع الأنظمة البوليسية - اذ يستهجن الحكيم ان نحقق الانتصار على عدو متقدم قوي - ما دام الشعب لا يعرف معنى حريته الداخلية، وتسود فيه الغيبية والانغلاق على الذات - ويخلص من قراءة هذا الواقع الأليم الى أن هذا الواقع تكمن فيه ما يسميه مرجعية هزيمة اوسلو وغيرها من الهزائم العربية - الفلسطينية. وسنرى في نقده لاداء حكم السلطة الوطنية الفلسطينية تشابها مؤلما يبلغ حد التطابق بين هذا الاداء وبين سياسة الأنظمة العربية. وارى ان في هذا تعميما ظالما. فعلى ما وقعت فيه السلطة من اخطاء، لا يجوز القفز عن خصوصيتها وعن الظروف التي تشكلت خلالها، وعن تجربتها المعقدة في الوحدة الوطنية وتعاطيها الذي لا يمكن وصفه بالدكتاتوري المطلق مع مسألة الحريات والتعددية.
العبرة والوصية
كنت حريصا، قدر الامكان، على التقيد بشهادة الحكيم جورج حبش على تجربته في العمل القومي - الوطني، ولم أتدخل الا في اضيق الحدود التي لا تشوش صفاء هذه الشهادة. واذا كان لي ان استلهم العبرة من هذه التجربة الفذة في عناد صاحبها وبطولته في واحدة من اكثر معارك التاريخ عدلا، فقد ألاحظ ان الحكيم، رحمه الله، كان يتمتع بكاريزما غير عادية، بدليل ان مسيرة حياته - وكلها موثقة اما كتابة او بشهادة الاحياء - كانت باستمرار مسيرة قائد يحظى بمرتبة قيادية عن طريق الانتخاب وضعته في الصف الاول داخل العروة الوثقى، وكتائب الفداء العربي، وحركة القوميين العرب، وحزب العمل الاشتراكي، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، فضلا عن دوره البارز في مجمل الثورة الفلسطينية، وتعامل العالم معه بوصفه قائد المعارضة الفلسطينية. لكنها المعارضة الوطنية البناءة التي لا تنتهي بانشقاق بل تؤكد معنى الوحدة الوطنية للمحافظة على المشروع الفلسطيني الكبير الذي لا يمكن ان يكون الا عربيا تقدميا ذا ابعاد انسانية.والملاحظة الثانية هي قدرة الحكيم الاستثنائية على النقد الذاتي. فقد اعترف بمحدودية الرؤيا في البدايات عندما ابتعد عن الماركسية لا لخلل فيها او نقد له عليها، بل بردة فعل على موقف للاتحاد السوفييتي. وان تنقد تجربتك يعني ان تعدل من مسارك وفكرك. كما انتقد تشدده في التعامل مع المعطيات المرحلية، ولم يلبث ان صحح هذا الاختيار من غير تسليم بصواب سياسة التنازلات، فالتنازل أمر والتعاطي مع الممكن على ان تحافظ على الثوابت، هو أمر آخر. أضف الى ذلك ان تعلقه بالاطفال يتجاوز المستويين العاطفي والرمزي الى الايمان بالمستقبل، لا بكيفية غيبية، بل بما يوضحه في شبه وصية يختم بها هذه الشهادة قائلا: - ان التحديات جسيمة والمهام كبرى، وعلى شبابنا ان يشحذ عقله ويشمر عن ساعده ويندفع للعمل، متخطيا اخطار التهميش والاستلاب والاغتراب، وان ينمي روح التمرد الايجابي وتخطي نفسية الخضوع وان يجاهد لتحرير المرأة.. وان يربط دائما بين اصالته وضرورة امتلاك الحداثة..هكذا تكلم الحكيم د. جورج حبش، وما امتناعه الارادي عن البقاء على رأس الجبهة الشعبية امينا عاما، الا صورة ميدانية عن ايمانه بتواصل ديمومة الفكرة الثورية عبر الاجيال. فهو لم يقدم استقالة، بل نقل الراية الى ايد أمينة كان يرعاها ويفخر بها، مستحقا في ذلك ما اطلقته عليه الاجيال الفلسطينية والعربية، حكيم الثورة..

Tuesday, February 5, 2008


قبل قرابة عامين، التقى عثمان تزغارت مطوّلاً الراحل الدكتور جورج حبش في مكتبه بـ«مركز دراسات الغد الفلسطيني» في دمشق. بقي هذا الحوار مع الدكتور جورج حبش غير منشور حتى اليوم...صحيفة «الأخبار» (اللبنانية) تنفرد بنشر هذه الوثيقة التي تضيء جانباً هاماً من فكر الراحل ومواقفه، وخاصة أن الحوارات الصحافية معه أصبحت نادرة جداً منذ الأزمة الصحية التي تعرّض لها في منتصف التسعينياتالآن، مع مرور أربعين عاماً على بدء الكفاح المسلح الفلسطيني في 8/1/1965، حين تلقي بنظرة إلى الوراء، ما هو تقويمك لمنجزات المقاومة الفلسطينية خلال هذه المرحلة؟ وما هي الأسباب التي عطلت مسار التحرير حتى الآن؟
تحتاج الإجابة الموضوعية الدقيقة عن مثل هذا السؤال إلى مراجعة نقدية تحليلية لتجربة المقاومة الفلسطينية على مدار عدة عقود، بكل ما له
ا وما عليها، وهذا بالطبع ليس بالأمر اليسير، وخاصةً أننا كنا أحد الأطراف الفاعلة في هذه الأحداث، سواء من خلال حركة القوميين العرب، أو من خلال الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وبالتالي لا بد أن يتناول النقد العامل الذاتي، إضافةً إلى العوامل الموضوعية الكثيرة، المتشابكة، والمؤثرة في لوحة الصراع على مدى تلك الفترة الزمنية المديدة.لقد كانت انطلاقة العمل الفلسطيني المسلح، بمثابة ولادة جديدة للفلسطينيين بعد عقدين على نكبة فلسطين في عام 1948، وقد سبق هذه الولادة إرهاصات وجهود سياسية كبيرة من أجل تعبئة وتنظيم كفاح الشعب الفلسطيني، وانطلاقاً من إيماننا بقومية القضية، ووحدة النضال العربي رأينا آنذاك أن النضال الفلسطيني يندرج في إطار معركة شاملة تخوضها الأمة العربية بأسرها، لكون المشروع الصهيوني مشروعاً استيطانياً توسعياً لا يستهدف الفلسطينيين فحسب، بل الوجود العربي بأسره.إن اقتلاع الفلسطينيين وتهجيرهم من أرضهم كانا الكارثة الكبرى التي لحقت بهم في عام 1948، ومن ثم طُرحت مشاريع كثيرة مشبوهة لتوطينهم ودمجهم في البلدان التي استضافتهم، وخاصة في الأردن حيث شكل الفلسطينيون حوالى 70% من سكانه بعدما أُلحقت الضفة الغربية به.لقد راهن العدو الصهيوني على عامل الزمن من أجل تذويب الهوية الفلسطينية، معتقداً أن هذا العامل سوف يدفع الفلسطينيين إلى نسيان بيوتهم وممتلكاتهم وقراهم ومدنهم التي هجِّروا منها، لكن الإنجاز الأهم الذي تحقق مع انطلاقة العمل الفلسطيني المسلح، ليس فقط إثبات أن الشعب الفلسطيني متمسك بهويته الوطنية، التي لا تتناقض مع بعدها القومي، وإنما بلورة الشخصية الوطنية الفلسطينية أيضاً التي تمثلت في إنشاء م. ت. ف ككيان سياسي للفلسطينيين، له برنامج ومشروع سياسي عمّق مفهوم الوطنية الفلسطينية ملاحظاً (البرنامج) خصوصية وضعهم، مما جعل منهم عاملاً فاعلاً في الحقل السياسي الوطني الفلسطيني والقومي العربي على اعتبار أن المشروع الصهيوني يشكل عامل تهديد كما قلنا للوضع العربي برمّته، نظراً لطبيعته التوسعية العدوانية، ودعمه من قبل دوائر الإمبريالية العالمية.حينما نقف أمام الأسباب التي عطّلت مسار التحرير حتى الآن، لا بد لنا أن نلاحظ شبكة العلاقات المعقدة التي أحاطت ولا تزال بالقضية الفلسطينية على المستويات المحلية والإقليمية والعربية والدولية، وهناك دون شك أسباب موضوعية وأخرى ذاتية حالت دون وصولنا إلى هدف التحرير، ولا سيما مع تغير موازين القوى الإقليمية والدولية التي لم تصب في مصلحتنا كحركة تحرر وطني وقومي، فالتجارب الوحدوية فشلت وبالتالي لم يتحقق شعارنا «الوحدة طريق تحرير فلسطين»، كذلك كان انهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية، خسارة لحلفائنا على الصعيد العالمي، مما جعل الباب مفتوحاً أمام هيمنة القطب الواحد للولايات المتحدة. كذلك لا بد أن نلاحظ انهيار وتراجع الأنظمة العربية الوطنية، ومسيرة السادات ومضامينها منذ كامب ديفيد التي أخرجت مصر بكل ثقلها من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي هي دليل بارز على هذا الانهيار، وكذلك الضربات المتلاحقة التي تعرضت لها الثورة الفلسطينية في أيلول 1970 في الأردن وفي لبنان عام 1982... ضربات ومخططات استهدفت اقتلاعها من الجذور، وكذلك معاهدة أوسلو وما كان لها من تبعات. وفي السنوات الأخيرة كان الاحتلال الأميركي للعراق دليلاً آخر على هذا المنحى السلبي.أما على صعيد العامل الذاتي، فلا بد أن نعترف أن الوحدة الوطنية الفلسطينية كائتلاف عريض للفصائل والقوى الفلسطينية المنضوية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية لم تتحقق فاعليتها بالشكل المطلوب. فالمسألة ليست وجود هياكل شكلية ومؤسسات للمنظمة (على أهمية وجودها) غير فاعلة، أو تتعطل فاعليتها وتتهمّش، ولا سيما في الظروف المفصلية التي مرت بها القضية الفلسطينية. لقد كانت النزعة الفردية التي تحكمت في قيادة منظمة التحرير الفلسطينية أحد العوامل السلبية التي أثرت على مسيرة المنظمة، وهمشت فاعليتها في محطات مهمة من تاريخنا النضالي، كذلك ليس بالإمكان أن نغفل ضعف اليسار الفلسطيني، وعدم تمكنه من أخذ زمام المبادرة في العديد من المحطات الهامة كعامل من العوامل. وبالتالي، كل هذه الأسباب بتفاعلاتها كانت من الأسباب التي عطلت مسار التحرير حتى الآن.
منذ نشأة المقاومة الفلسطينية اتخذت غالبية الفصائل طابع التنظيمات السرية، مما جعل أعمال المقاومة تتخذ شكل عمليات «كوماندوس» في الغالب، بينما غاب خيار التأسيس لحرب تحرير شعبية على غرار ما شهدته حركات التحرر عبر العالم. ما هي أسباب هذه الخصوصية الفلسطينية؟ وهل تعتقدون اليوم حين تنظرون إلى الأمور بأثر رجعي أن خيار تغليب عمليات «الكوماندوس» كان صائباً؟ وهل أدّى ذلك دوراً في تغييب خيار الانخراط الشعبي في المقاومة داخل الأراضي المحتلة الذي لم يتبلور سوى مع انفجار الانتفاضة الأولى، عام 1987؟
إن وضعية التشتت هذه التي فرضت على الفلسطينيين الخضوع لظروف موضوعية متباينة من منطقة إلى أخرى، وبالتالي التعامل مع أنظمة حكم عربية متباينة، وتجاذبات دولية عديدة. هذه الوضعية خلقت صعوبات في التواصل بين التجمعات الفلسطينية، وخلقت إشكالية في العلاقة بين الداخل والخارج، وفرضت على الفصائل الفلسطينية شكل العمل السري في البدايات قبل أن تنتقل إلى العمل العلني. ولعل نكسة عام 1967 وما فرضته من متغيرات هي التي دفعت إلى تغير استراتيجية التفكير. فقبل ذلك كان التصور السائد أن مهمة تحرير فلسطين لا تقع فقط على عاتق الفلسطينيين وحدهم بل هي من واجب الشعب الفلسطيني والقوى القومية العربية. وكان الحوار المحتدم بين فصائل العمل الوطني والأحزاب القومية العربية يجري حول البحث عن قاعدة إسناد قوية ترتبط في البعد القومي التقدمي العربي، وبالتالي يرتبط تحرير فلسطين بالوحدة العربية. إلا أن أحداث الـ1967وتداعياتها لعبت الدور الأساسي في تغيير استراتيجية التفكير هذه، وبالتالي أصبح الشعب الفلسطيني هو المسؤول بالدرجة الأولى عن مهمة التحرير، مستنداً إلى العمق العربي بشكل عام. بيد أن هذه النقلة الفكرية التي حدثت في حينه لم تطَل مرتكزات أساسية في فكرنا السياسي، أقصد المسألة المتعلقة بخصوصياتنا الوطنية والقومية. وعلى الرغم من تبنّينا للفكر الماركسي في حينه، إلا أن هذا لم يدفعنا إلى ضرب تلك الفرادة التي تشمل رؤيتنا للصراع ضد العدو الصهيوني وأساليب مواجهة هذا العدو، والوحدة العربية، وترابط الوطني والقومي، دون تغليب أحدها على الآخر.أيضاً لعبت ثورة الجزائر وانتصارها، وكذلك ثورة اليمن الجنوبي وانتصارها، تأثيراً قوياً في اتجاه تفكيرنا حول مسؤولية الشعب الفلسطيني الطليعية بالدرجة الأولى في عملية التحرير. وبالتالي، أسهمت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بشكل فاعل في توسيع وتطوير العمل الفدائي والكفاح المسلح حيث بدأت ظاهرة الكفاح المسلح في الستينات، وكان دور غيفارا غزة في العمل الفدائي داخل غزة والمواجهات اليومية المباشرة مع العدو الصهيوني من العلامات المضيئة في تاريخ الكفاح الفلسطيني المسلح. ولكن لم يكن هناك مواجهة شعبية شاملة إلى أن نضجت الظروف داخل الأراضي المحتلة، وتبلورت مع انفجار الانتفاضة الأولى عام 1987 لينتقل ثقل العمل الفلسطيني إلى داخل الأراضي المحتلة مع الانخراط الشعبي في المقاومة والانتفاضة الثانية عام 2000. وعند استعراضنا لمسيرة الثورة الفلسطينية المعاصرة منذ انطلاقها وحتى الآن، أستطيع أن أسجل بأن الانتفاضة المجيدة الأولى والثانية مثلتا أعلى مرحلة في هذه المسيرة، دون أن نغفل عن صمود المقاومة دفاعاً عن نفسها في عدة مواقع وخاصة أمام الاجتياح الصهيوني للبنان عام 1982. وباختصار، يمكن القول: إن جدل الداخل والخارج في العمل الفلسطيني فرض علنية العمل الفدائي في الخارج، وسريته في الداخل إلى أن تبلورت الظروف في عام 1987 مع انطلاقة الانتفاضة المجيدة.
لقد كانت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين هي السباقة تاريخياً، من خلال «شعبة العمل الخارجي»، التي كان يشرف عليها الشهيد وديع حداد (أبو هاني)، في رفع شعار «وراء العدو في كل مكان»، والقيام بجملة من العمليات الفدائية الخارجية التي لعبت دوراً هاماً في التعريف بالقضية الفلسطينية وفرضها على «الأجندة السياسية الدولية». لكنك لاحقاً أصدرت قراراً بوقف هذه العمليات الخارجية. هل لك أن تشرح لنا ضمن أيّ استراتيجية تم التفكير والتخطيط لهذه العمليات الخارجية؟ وما أسباب قرارك وقفها لاحقاً؟
إن أشكال وأساليب النضال لا تحدّد اعتباطاً، وإنما هي استجابة محددة لصراع محدد، يتحكم بها وبصياغتها على المستوى الاستراتيجي أو التكتيكي، الأهداف المنوي تحقيقها وطبيعة العدو الذي نواجهه. وعلى هذا الأساس كان العمل الخارجي الذي أشرف عليه الشهيد وديع حداد «أبو هاني»، ورفعه لشعار «وراء العدو في كل مكان» في تلك الفترة الزمنية يأتي استجابة لمجموعة من الظروف والأهداف المنوي تحقيقها، ومنها كما أشرت في السؤال: التعريف بالقضية الفلسطينية وفرضها على الأجندة السياسية الدولية. ولكن، وعلى ضوء التطورات التي حدثت لاحقاً، وبعد أن أصبحت القضية الفلسطينية في مركز الصدارة عالمياً، وبما أن نضال شعبنا الفلسطيني هدفه تحقيق الحرية والاستقلال الوطني من خلال دحر الاحتلال عن أرضنا، فقد ظلّت استراتيجية المقاومة والكفاح المسلح قائمة، إضافة إلى كل أشكال النضال الأخرى السياسية والإعلامية والثقافية والاجتماعية هي الأساس في تفكيرنا. ولذلك كان القرار بإيقاف العمليات الخارجية لأن الهدف المرحلي من تلك العمليات كان قد تحقق. وكان لا بد أن يتجه تفكيرنا إلى العمل والنضال داخل فلسطين، فتغيير أدوات النضال حسب كل مرحلة لا ينفي الأساس في استراتيجية المقاومة والكفاح المسلح، فحق العودة والنضال من أجل تحقيق هذا الهدف بالنسبة إلى فلسطينيّي الشتات لا يزال هدفاً ومحرضاً أساسياً للنضال في الخارج. وفي سياق صراعنا المرير مع العدو الصهيوني، يمكن إبداع أشكال مختلفة من النضال تتلاءم والظروف والتطورات التي تواجه قضيتنا.أخيراً، يتيح السؤال فرصة لتقويم دور الشهيد وديع حداد في مسيرة النضال الوطني الفلسطيني. فنحن نقدر عالياً الدور الذي قام به الشهيد وديع حداد في تنظيم الخلايا السرية المسلحة للعمل داخل فلسطين من خلال موقعه القيادي في حركة القوميين العرب، وكذلك دوره كأحد مؤسسي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين على أثر هزيمة حزيران 1967. وأبرز ما في حياة وديع وكفاحه من دروس، هو أنه قلب المعادلة بين الثائر والعدو رأساً على عقب، فتحول الثائر من مطارَد، يلاحقه العدو في كل مكان إلى مطارِد لذلك العدو في كل مكان. إنها ذروة الثقة بإمكانات الشعب والثورة على استمرار النضال حتى تحقيق أهدافنا المشروعة بالتحرر والانتصار.
لقد كان لليسار الفلسطيني، ومن ضمنه «الجبهة الشعبية»، دور مركزي في تأسيس الحركة الوطنية الفلسطينية، وفي تكثيف العمليات النضالية والفدائية على الأرض. لكن هذا اليسار لم يستطع لاحقاً تشكيل قطب سياسي بديل لما هو مطروح، بحيث تلتف حوله الجماهير الشعبية الفلسطينية. ما هي أسباب ذلك؟
إن عدم إعطاء عملية التجديد داخل القوى اليسارية الفلسطينية حقها من الاهتمام بالمعنى التاريخي، أي على مدار السنوات السابقة، هي من الأسباب الذاتية التي أوصلت اليسار إلى الوضع المأزوم الذي يعيشه اليوم، وبالتالي عدم قدرته على أن يصبح قطباً سياسياً بديلاً لما هو مطروح حالياً. وهذا، بدوره، يشكّل سبباً مهمّاً في أزمة العمل الوطني الراهن ككل. لكن هذا السبب ليس هو السبب الحاسم أو الوحيد لمظاهر هذه الأزمة العامة والشاملة، فهناك أسباب أخرى كثيرة لهذه الأزمة منها الواقع الموضوعي الصعب الذي تعيش في ظله القوى اليسارية والديموقراطية عموماً ومنها «الجبهة الشعبية»، وذلك بسبب طبيعة الأنظمة العربية عموماً، وواقع حركة التحرر العربي العاجز والمأزوم وعدم قدرة هذه الحركة بالتالي على تقديم نفسها بصورة فعالة وطنياً وقومياً.إن المظهر السائد في الواقع الرسمي العربي، الذي توّج بالانخراط الكامل في مشروع الحل الأميركي ـ الصهيوني منذ مسيرة مدريد، ومن ثم أوسلو وحتى اليوم قد انعكس بصورة سلبية ليس علينا فقط كقوى يسارية وديموقراطية فلسطينية، بل أيضاً على واقع الأنظمة العربية الوطنية التي تعاني أشكالاً مختلفة من الأزمات الداخلية الطاحنة والحصار الدولي الذي لا يسمح لها بلعب دور مؤثر قومياً.هذه الصورة، وإن كانت قاتمة، لا تعني أنها ستستمر على ما هي عليه، فالجماهير الفلسطينية والعربية تواقة إلى التمرد والنهوض والديموقراطية، وثمة حراك سياسي وفكري ونضالي مقاوم يعمل على التصدي للاحتلال الأميركي في العراق، والصهيوني في فلسطين ودحره. وفي هذا السياق، تتحمل القوى اليسارية والديموقراطية ومن ضمنها «الجبهة الشعبية»، مسؤولية تاريخية تتطلب منها التجديد في بنيتها الداخلية وأدواتها الكفاحية، حتى تكون في مستوى المهمات الجسيمة التي تواجه حركة التحرر الوطني الفلسطيني والقومي العربي.
ما هي تصوّراتك لمستقبل القضية الفلسطينية في ظل الحلول المطروحة الآن في الجانب الإسرائيلي؟ وما تقويمك لأداء السلطة الوطنية الفلسطينية على هذا الصعيد؟
كما أشرت في إجابتي عن السؤال السابق، إن استمرار خيار المقاومة هو الخيار الوحيد الممكن أمامنا، ولا يمكن المراهنة على الحلول المطروحة الآن في الجانب الإسرائيلي، ونضالنا يرتبط مرحلياً بالبرنامج المتفق عليه في إطار منظمة التحرير الفلسطينية على أساس إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، وحق العودة. لكن تحرير فلسطين يرتبط بدحر المشروع الصهيوني المرتبط بالإمبريالية الأميركية ومشاريعها في المنطقة، وإقامة دولة فلسطين الديموقراطية العلمانية التي تحفظ حق المواطنة لسكانها دون تمييز على أساس العرق أو الدين أو الجنس. وتقويمنا لأداء دور كل الفصائل الفلسطينية، بما في ذلك السلطة الفلسطينية، ينطلق من مدى تمسكها بالثوابت الوطنية المتفق عليها، وإذا كانت الظروف الموضوعية السائدة في هذه الفترة بما في ذلك اختلال ميزان القوى على الصعيدين العربي والعالمي يميل لمصلحة الولايات المتحدة الأميركية والصهيونية نتيجة سيطرة القطب الواحد للولايات المتحدة على العالم، فهذا لا يعني أن نسلّم بالحلول المطروحة على حساب حقوقنا التاريخية بالعودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، بل على ضوء الظروف القائمة تصبح المهمة الأساسية حالياً هي الصمود وعدم الرضوخ والسير مع المخطط الأميركي ـ الصهيوني المرسوم من قبل هذه القوى لتصفية القضية الفلسطينية.وهذه المسألة من مسؤولية السلطة التي يجب أن لا تفرط بالحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني أمام أية ضغوط، أو حلول تسووية ممكنة. وفي هذا السياق، يجب أن يتّجه تفكيرنا كقوى ديموقراطية ويسارية فلسطينية إلى العمل الجاد من أجل تجديد بنيتنا الداخلية، وآليات عملنا وأدواتنا الكفاحية على كل المستويات الفكرية والتنظيمية حتى نكون على مستوى المهمات الجسيمة والاستحقاقات القادمة. من جهة أخرى، لا بد أن نحافظ على المكتسبات التي تحققت لشعبنا عبر نضالات طويلة، وأهمها: الحفاظ على وحدة شعبنا في مختلف أماكن وجوده، واستثمار جميع طاقاته، بوصفه شعباً له حقوق سياسية معترف بها دولياً، وعلى رأسها حقه في الحرية والاستقلال والعودة.كذلك، علينا العمل من الآن على تجميع شروط قيام دولة ومجتمع فلسطيني حديثين. وعلى صعيد هذه المهمة بالتحديد، على القوى الديموقراطية والعلمانية الفلسطينية أن تبذل جهوداً كبيرة، وتبادر إلى طرح وبلورة مشروعها المجتمعي الذي يؤسس لنظام سياسي فلسطيني ديموقراطي ينهض على أسس وقوانين عصرية ناظمة لحياة المجتمع. ومن هنا، يكون التحالف مع السلطة الفلسطينية وكل الفصائل الفلسطينية على أساس الثوابت الوطنية الفلسطينية التي يجب أن تكون القاسم المشترك بين جميع التنظيمات والمؤسسات الرسمية الفلسطينية
عندما قصدنا الراحل جورج حبش يوماً في مكتبه في دمشق ونحن نجهز لفيلم تلفزيوني عن الشهيد غسان كنفاني، كان الرجل قد استقال من موقعه كزعيم لفصيل فلسطيني مؤثر في الساحة الفلسطينية، ربما في سابقة لم تعهدها
القيادات الفلسطينية على اختلاف الطيف السياسي الفلسطيني الذي يتحكم بمسارات أعمالها السياسية والتنظيمية. حبش لم يستقل يومها إلا من الأمانة العامة، فمن مثله لا يعرف الاستراحة، ولكنه أراد أن يؤكد توجهاً جديداً في الساحة الفلسطينية لم يألفه العمل السياسي الفلسطيني
الحكيم الذي قصدناه يومها لنعد الفيلم لم يبخل كعادة الكبار بدمعة على الشهيد قائلاً: «عندما استشهد غسان أخذ
نصفي معه، وها هو نصفي الثاني أمامكم فخذوه»هذه هي أشد اللحظات الدرامية التي عرفناها عن قرب في جورج حبش. اللحظات التي تنبني عليها الأفلام. فها هنا يتغلب الشاعر على السياسي في أكثر اللحظات ومضاً ان جاز التعبير، وهذه لم تكن تحدث من قبل في الحياة الفلسطينية المعاصرة - ســـياسياً على الأقل - ، بعكس الصورة التي طالعتنا بها معظم الفضائيات العربيـــة وهـــي تعلن نبأ رحيله
فقد كانت هذه اللحظة تحتل الخبر الثاني أو الثالث بصرف النظر عن ذلك الشريط الأحمر الذي أعلن وفاته كخبر عاجل، وكأن الرجل يفتقد الى الدراما المطلوبة وهو يختصر في حياته جزءاً كبيراً من تراجيديا الشعب الفلسطيني نفسه.بدت الأخبار المتقطعة وكأنها تكشف بعض اللحظات الصعبة التي تعيشها هذه الفضائيات، بل هي تكـــشف حــجم المأزق. فالفضائيات لا تتوانى في بعض الملمات المازحة عن اعداد بعض الريبورتاجات المؤثرة عن حياة بعض زوجات رؤساء الدول وهن يقمن بزيارات إلى منطقتنا
ربما لا يعود في وسعنا أن نطالب هذه الفضائيات بالتوقف أمام حياة الرجل بالطريقة التي يرغب فيها بعضنا، إذ لها سياساتها وتوجهاتها، وهذا شأنها في المحصلة النهائية، ناهيك بأن معظمها منها لم يستطع أن يمدنا بشيء يتناسب مع مكانته. ربما بسبب رحيله المفاجئ، خصوصاً أن الدكتور جورج حبش حرص في العقد الأخير من حياته على ألا يظهر أمام عدسات التلفزيون.هذا «النقص» في التغطية يظل في بعض نواحيه مرتبطاً بـ «الحكيم» نفسه الذي أبى أن تصور حياته في فيلم كامل عنه يقول فيه سيرته منذ ولد في اللد الفلسطينية، حتى اللحظات الأخيرة التي سبقت رحيلهربما لم يذرف جورج حبش دمعة إلا على غسان كنفاني يوم استشهاده، وبالتأكيد يوم رفضت الفنانة اللبنانية نضال الأشقر أن تناديه بالحكيم قائلة: «لا أستطيع أن أناديك بالحكيم، لأن هناك كثراً يحملون اللقب ذاته
أنت جورج حبش». يومها اغرورقت عيناه بدمعة أخرى... دمعة واحدة وأخيرة ربما لا تصلح نهاية للفيلم المطلوب
فجر يعقوب الحياة - 8 0/1 0 /02.

آخر مقابلة أجراها الحكيم الشهيد الدكتور جورج حبش مع مجلة العودة الصادرة في سوريا


النص الكامل لآخر مقابلة أجراها الشهيد القائد القومي والأممي الكبير مؤسس حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين دجورج حبش مع مجلة العودة في دمشق: -مؤسس حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية الدكتور جورج حبش لـ «العودة


أجرى الحوار أحمد حسين - دمشق


:حق العودة طبيعي وقانوني، وجمعي وفردي، ليس لأحد في العالم أن يعبث به كل المؤتمرات التي تنتقص من الحق الفلسطيني لن يكتب لها النجاح
بعنفوانه الأول الذي عتّقته ثمانون حولاً بحكمة الشيوخ، يرى «الحكيم» جورج حبش الأمور بمنظار فلسطيني واسع (تاريخاً وجغرافيا)، يحنّ لمضارب الصبا والشباب، ويلتقط اللحظة التي يتحول فيها حب الوطن إلى ثورة، ويناقش الماضي والحاضر ووسائل النضال فيهما، ويصرّ على العودة، ويحذر من التآمر عليها، ويعود إلى مقولته الدائمة.. الوحدة ثم الوحدة . الحديث مع الدكتور جورج حبش يطول، انتشلنا بأسئلتنا من جعبته الخبرة، تاركين الأحداث والروايات لحديث ذكريات نأمل أن يكون لنا نصيب فيه ..كل هذا كان مفصّلاً في الحوار التالي :
- من عائلة أرثوذكسية في عام 1926، وُلدتَ في اللد المحتلة، كيف تنظر (الآن) إلى 22 سنة من حياتك، وإلى حلم العودة إلى مرابعها الأولى؟ * أشكركم على هذه المبادرة الكريمة بإجراء مقابلة لي على صفحات مجلتكم في عددها الأول، آملاً أن يكلل بدرجات النجاح والتوفيق في ما تسعى إليه المجلة من تكريس لمفهوم حق العودة، ودفاعاً عنه وتظهيراً له، ورفضاً لنقيضه من مشاريع التسوية الهادفة إلى دفنه حلماً وواقعاً .
-أما بشأن رؤيتي إلى السنوات الأولى من حياتي، فهذا سؤال وجداني بامتياز، يثير فيَّ حنيناً دافئاً، لا أزال وأنا في الثمانينات من عمري أحتاج إليه، حنيناً إلى أعزّ كائنٍ في حياتي، إنه الوطن، لقد كان كائناً حياً يحرك في أعماقي؛ طفلاً وشاباً وشيخاً، أجمل معاني ومدلولات الحب والعاطفة، والاشتياق، والحنين، والحاجة إلى الدفء، لطالما احتجت إلى هنيهات من الزمن للاستراحة على صدر هذا الوطن، فقد عشت في كنف هذا الكائن عشرين عاماً، مغموراً بتضاريسه، وسجايا خلقه، وجمال وجهه، وبهاء طلته صباحاً ومساءً، كنت طفلاً أستظلّ بجناحيه وأمارس هوايات الأطفال لعباً على ساحات وديانه وجباله وسندسه الأخضر. كان يحثني على التفكير بمستقبلي، يخلق فيّ دافعاً للحياة الأفضل ..
لقد غادرت الوطن للدراسة في بيروت لأجل الارتقاء، وكلّي أمل وإصرار على العودة إليه حاملاً معي آمالي وأحلامي وعزمي لأكمل مشواري بين أحضان وطني .. وفي لحظة تاريخية فارقة لا يمكن أن تمحى من ذاكرتي.. افتقدت هذا الوطن..!! افتقدت كياني.. وغار الجرح عميقاً في كل جسدي.. إنها اللحظة الأصعب في حياتي التي حولتني من إنسان عاشق لوطنٍ وحياة إلى سياسي يبحث عن وطن.. وحياة أفضل، ذلك هو السر الذي دفعني إلى أن أوظف كل سنوات عمري لأجل استعادة هذا الوطن. وأستعيد معه كل أحلامي وآمالي .
إن ساحة الشعور بأهمية الوطن وعشقه تزداد طردياً مع فقدانه وزيادة منسوب المعاناة والتشرد والمطاردة .. فنحن الفلسطينيين نعرف أكثر من غيرنا قيمة الوطن ومعنى ضياع الوطن .. فثمة رابط روحي لم يزل بيننا وبين أرضنا فلسطين لن ينقطع طالما نعيشها هماً ومعاناة .. ومن هنا فإن السنوات الأولى من عمري كانت الأجمل لكنها سرقت مني مع سرقة الوطن . فيأتي سؤالكم العاطفي ليقيم همزة وصل بيني وبين تلك السنوات مجدداً. ولا غرو في القول إن حلم العودة حلم لا ينقطع ولا ينطفئ، لا مع الزمن، ولا مع الشيخوخة.. لكونه حلماً جمعياً للشعب الفلسطيني كلّه وليس لجورج حبش فحسب ..- من «كتائب الفداء» و«العروة الوثقى» و«الشبيبة العربية» مروراً بـ«حركة القوميين العرب » و«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» وصولاً إلى العمل البحثي الاستراتيجي، كيف يلخص « الحكيم» تجربته النضالية باختصار؟ > لقد شكل اغتصاب فلسطين، والهزيمة العربية الصدمة التي لا تُحتمل، ولم تفسح لنا مجالاً للتفكير الهادئ وصياغة الرؤية على نحوٍ دقيق وصحيح بما يقود النضال الوطني والقومي نحو الطريقة الأكثر نجاحاً .. كان لا بد من الثأر، ولا بد من إعادة الاعتبار للإنسان الفلسطيني الذي ضاعت أرضه .. فهو في حالة انتظار واستعداد للعودة السريعة. فكان العمل المتواصل، والإرهاصات السياسية والفكرية المختلفة في إطارات سياسية وكفاحية مختلفة، لقد كنا نبحث عن إجابات للأسئلة المباشرة والصعبة، عن أسباب الهزيمة. لم نكن نملك إجابات شافية، فالتجربة وحدها كانت تدلنا على طريق الصواب. ولم نكن نعمل في ظروف عربية وإقليمية ودولية مواتية، إنما في محيط عربي مجافٍ، ومتخلف سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وكنا نعمل فوق قطريات عربية فاقدة لهويتها القومية ومع تصادم مع الرجعيات العربية التي كانت سبباً في الهزيمة العربية ..كانت البوصلة نحو فلسطين.. ولكننا لم نكن نعرف كيف نعبر إلى فلسطين.. هل عبر الكفاح المسلح وحده، أم عبر الوحدة أو الاشتراكية، أم الحرية والديمقراطية.. هل عبر البعد القومي أم البعد الوطني. أم كلاهما معاً.. هذا ليس تِيهاً في الطريق، إنما الظروف الموضوعية الصعبة، وطبيعة المراحل السياسية التي مررنا بها، كانت تفرض علينا آليات عمل، وآليات تفكير، لقيادة نضال الشعب الفلسطيني وخلق ظروف مواتية وأفضل.. فلكل مرحلة سياسية استحقاقها في العمل والفكر والسياسية، ولا شك أن تلك التجربة المليئة بالدروس والعبر شكّلت ولا تزال الخميرة اللازمة لنضالات شعبنا التي ما زالت قائمةً لبناء الدولة الفلسطينية المستقلة، وتحقيق العودة وتقرير المصير، ولازمةً لبناء الوعي المقاوم، والتفكير المقاوم، فالنضال يجب أن يتواصل عبر محطاته المختلفة بغض النظر عن تقييم كل مرحلة ..
- أين كان «حق العودة» في مسيرة «الحكيم» النضالية؟ وكيف ينظر الآن إلى هذا المحور في منظومة العمل النضالي الفلسطيني؟ > حق العودة هو حق طبيعي، وقانوني، وجمعي وفردي، ليس لأحد في العالم أن يعبث به، فالمسألة واضحة كالشمس، هناك لاجئون أرغموا على ترك أرضهم وديارهم.. لهم الحق في العودة كحق طبيعي، ولهم الحق في العودة وفق قرار من الأمم المتحدة 194، وهو قرار يجيز لهم العودة . والمنطق الطبيعي أن يعودوا لا أن يحل مكانهم مستوطنون قادمون من آفاق الأرض، وعليه فنحن ننظر إلى حق العودة كأساس وجوهر للمسألة الفلسطينية، ولا حلّ سياسياً بدون ربط حق العودة بالأرض والوطن والكيان السياسي للشعب الفلسطيني، فلا معنى لحل سياسي يستبعد أكثر من ستة ملايين فلسطيني في الشتات، إن جذر المشكلة هو اغتصاب الأرض وطرد السكان الأصليين، وحل المشكلة يبدأ بعودة اللاجئين واستعادة الأرض، تلك معادلة لا يجوز التنازل عنها، وأية محاولة لتجزئة الحقوق عبر ما يسمى الأولويات أو الممكن وغير الممكن، والأهم وغير المهم، والمؤجل والراهن لا يخدم جوهر القضية الفلسطينية، لذلك نضالنا يسير وفق رؤية واضحة تترابط فيها كافة الحقوق دون المساس بأحدها.. وهذا لا يعني ضرب مرحلية النضال، إنما يعني الحفاظ على الترابط، وأن لا ينتهك التكتيكيُّ الاستراتيجيَّ .
- تجربة التخلي عن قيادة تنظيم أو تزعم حركة، تجربة فريدة ونادرة تسجل للدكتور حبش، وهي سابقة في العمل الفلسطيني، هل تجدها ممكنة التكرار في العمل الثوري، وهل أثبتت نجاحها؟ > دعني أُشِر إلى نقطة أساسية في تفكيري.. وهي أن النضال الوطني يجب أن يقاد عبر المؤسسة القيادية.. والأشخاص أو الرموز قد يصنعون التجربة ويطبعونها بسياستهم وبصماتهم.. إلا أنهم يتركون وراءهم المؤسسة القادرة على المواصلة.. من هنا جاء قراري بالتخلي عن قيادة الجبهة الشعبية، إيماناً مني بتلك الفكرة، وإيماناً مني بإفساح المجال لقادة غرسوا بالنضال، وقناعة مني بأن الجبهة الشعبية لديها القدرة على خلق القيادات.. بالإضافة إلى أهمية الجانب الديمقراطي وتعاقب القيادات على الحزب أو التنظيم.. هي سابقة لكنها رسالة .. إنني أجد أن هذه التجربة «التخلي طواعية عن قيادة التنظيم» أمر ممكن ولازم في الحياة السياسية والعمل الثوري.. لكن الأهم أن تتولد القناعات والإرادة الصلبة لأخذ هكذا قرار، وتتوافر الشجاعة الكافية للتخلص من النزعات الذاتية والنرجسية التي تصيب البعض، وطرد هاجس الخوف من فقدان القائد أو الرمز وزنه وحضوره ومكانته بعد تخليه عن القيادة المباشرة. باختصار العمل الجماعي مجسَّداً بالمؤسسة هو الذي يحمي القائد ويجعله حاضراً حتى بعد تخليه عن المسؤولية الأولى ..
- العمل السياسي والمقاومة والاقتصاد.. و..، نظريات كثيرة تتفاضل وتتكامل في الطريق إلى فلسطين .. السؤال: من خلال أكثر من 55 سنة من تجربتكم النضالية كيف تنظرون إلى هذه المحاور؟
> إن تكامل أشكال النضال المختلفة السياسية والاقتصادية والكفاحية والإعلامية والجماهيرية كلها معاول يجب أن تستخدم بطريقة واعية وعلمية واستثمارها بأعلى طاقة ممكنة من الكفاءة ووضوح الرؤية.. غير أننا في حالتنا الفلسطينية يجب أن نرى الخاص في نضالنا.. مشكلتنا أننا أمام استعمار استيطاني وإجلائي وعنصري واضطهادي، يجب أن يقاوم بالكفاح المسلح أولاً وفق الظروف المناسبة والممكنة دون أن ننسى الأشكال الأخرى في النضال.. والتجربة علمتنا أن العمل السياسي العربي والفلسطيني معاً لم يثمر حتى الآن في إجلاء المحتل. لذلك يجب أن يتقدم الكفاح على الأشكال الأخرى، وإلا تحول نضالنا إلى نضال مطلبي اقتصادي .
- ناضل الشعب الفلسطيني بكل فئاته من أجل العودة والتحرير، هل تعتقد أن تجربة حركات المقاومة كانت ناجحة؟ > إن تقييم حركات المقاومة على أساس أنها حققت أهدافها أو لم تحققها فيه ظلم لشعبنا الفلسطيني وحركاته الوطنية والمقاومة.. إنما نحن ما زلنا نناضل نضالاً تاريخياً يربط برؤية آنية ومستقبلية للشعب الفلسطيني والعربي .. فصراعنا مع العدو صراع تاريخي ومفتوح على مصراعيه، ونحن نتحدث عن عدو صهيوني جاثم على أرضنا.. لكننا نواجه عدواً استعمارياً منذ عدة قرون.. ونضالنا لن يتوقف.. بهذا المعنى لم تفشل حركات المقاومة لكنها أدت وما زالت دورها الوطني والمقاوم في صيرورة تاريخية في مواجهة العدو ..
أما بالمعنى المباشر فحركات المقاومة لم تحقق حتى الآن الهدف الآني المباشر في تحرير فلسطين، لقد حَمَت حركات المقاومة الهوية الوطنية من الذوبان، وما زالت تشكل حركة ممانعة في الوسط والمحيط العربي في وجه محاولات التسوية والسقوط السياسي.. ويبقى السؤال هل انتصر العدو الصهيوني بالمعنى الاستراتيجي والتاريخي؟ أم أنه انتصر في عدة جولات ومعارك فحسب؟ وهل حقق العدو الصهيوني أمنه؟ - هل تعتقد أن الحراك النخبوي والشعبي الذي تفاعل بعد أوسلو 1993 ، من خلال المؤتمرات واللجان والمؤسسات العاملة من أجل «حق العودة»، سيكون فعالاً وذا تأثير في هذا المجال؟ > بلا شك.. ما دمنا نتحدث عن نضال وصراع تاريخي ومفتوح على المدى السياسي والاقتصادي والكفاحي والجماهيري، فإن كافة المؤتمرات واللجان والمؤسسات التي تعمل من أجل حق العودة، سيكون لها أثرٌ فعّالٌ وناجحٌ، أولاً في إظهار طبيعة الحق الفلسطيني «حق العودة».. وثانياً في كفاءة النضال من أجله بكل السبل حتى نستحق هذا الحق.. وثالثاً في منع المساومات السياسية على هذا الحق.. ورابعاً لتأسيس سياج جماهيري وشعبي وسياسي حول هذا الحق لمنع التفريط به من قبل النخب السياسية التي تستهين بهذا الحق الطبيعي.. وخامساً أن هذه المؤسسات واللجان هي مؤسسات مدنية سياسية واجتماعية وقانونية قادرة على أن تعمل في كافة مناطق العالم بدون اتهامها بالإرهاب والمقاومة.. من هنا تأتي أهميتها وضرورتها في هذه المرحلة السياسية، لكني في الوقت نفسه أحذر من أية محاولات لتسييسها من قبل بعض المؤسسات الدولية لحرفها عن أهدافها الوطنية، وحق العودة، بالذات .
- كيف تنظر إلى المؤتمرات والوثائق التي تتجاهل «حق العودة» كوثيقة (أبو مازن – بيلين ) ومؤتمر روما ومؤتمر جنيف؟ ما هي فرص نجاحها في الدفع باتجاه حل أو تسوية بدون «حق العودة» في ظل «لاءات» بوش الأربع (القدس، الحدود، المستوطنات، اللاجئين)؟ > كما قلت في أجوبتي السابقة إننا في حالة صراع مفتوح، ونضال مستمر، وصيرورة تاريخية في مواجهة المعتدي.. وليس مستغرباً أن يظهر على هامش هذه الصيرورة النضالية من يعبث بالحق الفلسطيني بصرف النظر عن الأسماء والمسميات، وكل محاولة للعبث بهذه الحقوق الوطنية عن وعي أو بدون وعي هي بمثابة كوابح سياسية وعملية لمسيرة النضال الوطني الفلسطيني، وعليه فإن كل المؤتمرات واللاءات والوثائق التي تنتقص من الحق الفلسطيني لن يكتب لها النجاح بفعل تمسك الشعب الفلسطيني بكافة حقوقه وثوابته. هل استطاعت أوسلو ووثائقها أن تنهي الحق الفلسطيني، أو تعيد جزءاً من الحق الفلسطيني؟ إن «إسرائيل» تستطيع أن تقول لاءاتها. ولكن كل واحدة من هذه اللاءات سيواجهها شعبنا بضراوة كفاحياً وسياسياً واستراتيجياً.. ويجب أن يدرك الجميع أن القضية الفلسطينية لا تنحصر في عناوين هذه اللاءات الأربع.. إنما هي الأرض والشعب معاً، أي فلسطين التاريخية ..
- « حق العودة» موجود ومؤكد في القرارات الدولية، ولكن هل هو مضمون وثابت، أم أنه قد يتم محوه وتغييره لاحقاً؟ > قرار حق العودة 194، هو حق قانوني من الشرعية الدولية، وعلى الرغم من أن هذا القرار يحمل في ثناياه الاعتراف بـ«إسرائيل»، والإجحاف بالحقوق الوطنية الفلسطينية، إلا أنه يسلّط الضوء على قضية اللاجئين الإنسانية والسياسية، ويعطي الحق لعودة هؤلاء.. «إسرائيل» أخذت في حينها ما يناسبها من القرار لتدعيم شرعيتها ووجودها في الأمم المتحدة.. واليوم تريد أن تأخذ الجزء الآخر من القرار الذي في صالح الشعب الفلسطيني.. ولما كانت الشرعية الدولية محصّلة ميزان قوى دولي تتحكم فيه القوى الإمبريالية وعلى رأسها أمريكا، فليس هناك ما يمنع في لحظة ما بعد أن تتواطأ أمريكا مع أصدقائها و«إسرائيل» على هذا الحق وتعمل على محوه أو تعديله في الأمم المتحدة أو مجلس الأمن وفق الرؤية الإسرائيلية، ومستأنسة بالرؤية العربية الجديدة (المبادرة العربية) وكذلك بالهبوط الفلسطيني على مستوى القيادة السياسية .. وهناك سابقة في محو بعض قرارات الأمم المتحدة بشأن اعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية . إن هذه الإمكانية واردة لكنها الآن مستبعدة في ضوء البحث عن «حل عادل ومتفق عليه» والأمر مرهون أيضاً بمدى اشتداد الرفض الفلسطيني الشعبي والسياسي لأية محاولات لشطب حق العودة.. وهنا تأتي أهمية لجان ومؤسسات حق العودة .
- في العالم الأحادي القطبية، اختلفت وسائل النضال وفُرص التوازن عن الزمن الذي ناضلتم فيه، ما هي نصائح «الحكيم» في هذه المرحلة؟ > بلا شك إن المرحلة السياسية الراهنة ليست ذاتها التي انطلقت منها الثورة الفلسطينية المعاصرة.. وبالتالي الشيء الطبيعي أن تختلف وسائل وأشكال النضال، وأولويات النضال وفقاً للظروف المناسبة، وعلى القيادات الفلسطينية المناضلة أن تقرأ اللوحة الدولية بكل تضاريسها كي تعرف أين موقعها في هذا الصراع الدائر على مستوى العالم.. وابتداع الأشكال النضالية المناسبة، كما عليها أن تدرك أن هذا التوازن الآن، بل الاختلال بتوازن القوى الدولية ليس إلا مرحلة سياسية قد تقصر أو تطول. فلا يجب على هذه القيادات أن تقدم على تنازلات تحت وطأة هذا العالم الأحادي القطبية.. فهو عالم ليس سرمدياً وأبدياً .. إنما عليها أن تؤسس لحركة وعي وطنية وقومية جديدة لدى الإنسان الفلسطيني والعربي، مضمونها بعث الهوية الوطنية والقومية لجهة عدم الاندماج في ما يسمى الهوية العالمية.. هذا تضليل من قبل الآخر لتسهيل مهمته في احتلال الأرض والعقل والثقافة .
- كلمة أخيرة إلى أبناء شعبنا الفلسطيني في الوطن والشتات والغرب؟ > كلمتي إلى الشعب الفلسطيني في هذه المرحلة.. أذكّرهم بأن الاستعمار بكافة أشكاله سيرحل عن أرضنا ولنا بالتاريخ عبرة.. لكن الأمر يحتاج أولاً إلى الوحدة، ثم الوحدة، ثم الوحدة.. وإن فلسطين هي الهدف، والهدف الراهن والاستراتيجي، فلا نجعل من خلافاتنا وصراعاتنا الداخلية على السلطة الوهمية والتي هي تحت الاحتلال مجالاً لانتصار الآخر علينا . وأدعو الشعب الفلسطيني إلى تنظيم صفوفه، عبر الحوار الوطني الشامل والبنّاء لأخذ زمام المبادرة من العدو، والعمل على وضع الخيار الكفاحي أمام الجميع . رسالتي إلى الشعب الفلسطيني أن الدم الفلسطيني حرام حرام، ولا يجب أن يراق إلا في مواجهة العدو الأكبر ..

Beirut mourns Al-Hakeem with massive memorial event


In a massive commemoration held in UNESCO Palace in Beirut by the PLO and the PFLP, and in the presence of the Lebanese and Palestinian masses, the presence of former president Hussein al-Husseini and representatives of Lebanese parliamentary blocs and political parties and former prime ministers and political leaders, and Palestinian resistance as well as popular and mass organizations, to say farewell to Al-Hakeem, Dr. George Habash.


The first speaker was the representative of the head of the Lebanese parliament, Abdelmajeed Saleh; followed by the General Secretary of the Syrian Social National Party, Ali Qanso; former member of parliament Najah Wakim, chair of the People's Movement; Abbas Zaki, PLO representative in Lebanon; Hassan Hadraj, representative of Hezbollah; and Dr. Khaled Hedadeh of the Lebanese Communist Party.


All speakers shared their experiences and tributes to Al-Hakeem.


Finally, Comrade Marwan Abdel-Al, member of the Political Bureau of the Popular Front for the Liberation of Palestine, presented the concluding speech on behalf of the PFLP.


The event was emceed by Comrade Thafer Al-Khatib. The Palestinian national anthem was played and condolences were received by the PFLP.

الأسير القنطار ينعي حكيم الثورة والمؤسس د.جورج حبش

نعى المناضل والأسير اللبناني سمير القنطار، المؤسس وحكيم الثورة الدكتور جورج حبش في رسالة تعزية نقلها محاميه بعد زيارته في معتقل هداريم في فلسطين المحتلة، وقد رثى القنطار الحكيم بكلمات بعنوان "لن يبقى في الوادي غير حجارته" قال فيها: "رفيق جورج... كم كان وقع الخبر ثقيلاً هنا في هداريم، حيث لخبر الموت طعم آخر.كم «حكيم» لنا حتى ترحل أيها الحبيب؟ من سيصلح ذات البين في غيابك؟ وأنت القلق دائماً على مسار الوحدة الوطنية الفلسطينية التي ما شهدت انحرافاً ولا عبثاً وتقسيماً مثلما تشهده اليوم.
من سيكون حاضراً مع آلامنا؟ وأنت الذي حملت راية الدفاع عن الأسيرات والأسرى وحفظت جيداً «شيفرة» فك الأصفاد التي كتبها سجين على حائط أقبية المخابرات الأردنية في سجن العبدلي.
هل أخبرك عن أحمد؟ هذا الذي تسلّم الأمانة من الشهيد أبو علي مصطفى. أحمد الذي التحق بنا في سجن الصهيونية بعدما اقتادته أيدي الخيانة من سجن الإمبريالية في أريحا.هل أخبرك عن عبد الرحيم؟ هذا الذي عانقنا قبل أشهر عائداً إلى السجن الكبير في رام الله، مصرّاً على أن نحفظ له سريره في هداريم لأنه لن يطيل الغيبة!هي القصة نفسها يا جورج نعيد قراءتها ونحفظها عن ظهر قلب. قصة «الثورة التي قامت لتحقق المستحيل لا الممكن».من يبحث عن المستحيل اليوم يا جورج؟اليوم أفضل الممكن أن يهلّلوا لمجرم الحرب بوش، أن ينتشوا فرحاً لرقصة السيف المقزّزة في البحرين، لخيمة المضافة المذلّة في الإمارات، لوسام الشرف المفقود في السعودية.اليوم أفضل الممكن أن نكسر جدار الجوع في رفح. أن نفرح للحصار بدل أن نحزن. حصار غزة الذي رغم بشاعته وقسوته وعنصريته وجبانته كان الترياق الذي أوقف سم التقاتل الداخلي والشتم الذي لا يتوقف عبر الفضائيات، وأعاد الأمل بجمع الشمل ولقاء الإخوة في السلاح والأعداء في تقاسم سراب السلطة.جورج ليكن غيابك محطّة لحماية كل الثوابت التي أفنيت أجمل سنوات عمرك من أجلها. فلسطين الدولة الحاضنة لكل أبنائها في الوطن والشتات وعاصمتها القدس عروس المدائن وقبلة الأحرار. المقاومة خط ونهج ومسيرة كفاح لكل الثوار في فلسطين ولبنان والعراق وعلى امتداد العالم. التكاتف والتلاحم والصدق والوفاء والشجاعة في مواجهة قوى الأعداء، وقوى الإمبريالية العالمية، وقوى الاستسلام.سلاماً لك ولكل الشهداء...أنت قلت «الثوريون لا يموتون». نعم، أنت على حق. الثوريون يحتلون كل الأمكنة في أزقة المخيمات، في معسكرات التدريب، في أقبية التعذيب، يحيون هناك في الوادي الذي لن يبقى فيه غير حجارته.جورج... الآن نطفئ كل الشموع ونستودعك. سنبكي لأن بسمتك الدافئة لن تستقبلنا يوم حريتنا".

Monday, February 4, 2008

جورج حبش لا يموت





د. فهد حبش



إنني كأحد أفراد عائلته، أشعر بالفخر والاعتزاز أن هذه العائلة أنجبت الحكيم، فكان وسيبقى تاجاً على رؤوسنا جميعاً ويحق لنا أن نشعر بأن أسرتنا قد أصبحت بحجم فلسطين وإن كان بمقدور كل من رأى الحكيم أن يشعر بالفخر والاعتزاز، فإننا كأبناء عائلته لم نشعر يوماً بأن الحكيم يميزنا عن باقي أبناء الوطن فكان يعلمنا دائماً بأن الانتماء للوطن الذي يجمعنا جميعاً هو الأساس.
أنت أيها الشامخ شموخ الكرمل لم تمت بل أنت حاضر فينا، فمن الصعب أن أخاطبك بصيغ الماضي، فدعني أخاطبك بالحاضر.
أنت ساكن في ضمائرنا حيٌ فينا، وروحك تشع على أرض فلسطين.
يا حكيم لقد ظللت مثلاً للنقاء وطهارة اللسان، عفيف النفس متواضعاً، صادقاً، ظللت عاشقاً لفلسطين ولشعبك، مؤمناً بعدالة القضية.
ظللت زاهداً في هذه الحياة من أجل فلسطين، ظللت مخلصاً لشعبك في كل محطات حياتك، كنت وطنياً بإمتياز، قومياً بإمتياز، بل أممياً تحريرياً بامتياز، ظللت صمام أمان لوحدتنا الوطنية وتساميت فوق كل الخلافات.
فيا حكيم، أنت رائد من رواد القومية العربية، فقد أسست واحدة من أهم حركات القومية العربية المعاصرة التي انتسب إليها مناضلون ومثقفون وناشطون من كل أرجاء وطننا العربي من المحيط إلى الخليج، وكنت أحد أبرز حاملي مشعلها وحامي مشروعها.
لقد أسست كذلك واحدة من أهم المنظمات الفلسطينية وهي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وهي التي ملأ صيتها العالم، وانشغل بها القاصي والداني مذكرة العالم بعدالة قضية فلسطين، وباتت حليفة كل ثوار المعمورة وظلت أمينة على كل تراب فلسطين.
يكفيك يا حكيم أنك كنت الوحيد من القادة في تاريخنا السياسي الذي تنازل طوعاً إيماناً بتداول السلطة كمبدأ ديمقراطي، وليكفيك فخراً أن خليفتك أبو علي مصطفى قد رحل شهيداً وأن خليفتك الآخر أحمد سعدات أصبح رمزاً لأسرى الحرية.
لقد رحلت أيها المعلم محتجاً على بؤس وضعنا الداخلي والرسمي العربي فكنت تقول لنا بأن أقصر الطرق للتفريط بالثوابت هو أن تدفع بشعبك نحو الإنقسام والاحتراب، وكنت تقول لنا وحدة، وحدة حتى النصر وأن الوقت من دم. أجل إن الوقت من دم فيجب علينا أن نصغي لك ونصوب مسار الكفاح ونوقف الاقتتال بين أبناء الشعب الواحد كما طلبت منا قبل يوم من رحيلك.
لقد حزنت اللّد على فراق كبيرها وسيدها، واللّد التي حلمت بالعودة لها نقول لها أن جورج حبش لا يموت، فهو من أوصانا نحن أبناء عائلته الصغيرة بأن نتذكر دوماً بأن تكون اللّد بوصلتنا أبداً، فروحك روح الخضر سوف تشع دائماً حول اللّد، فأنت شهيد اللّد وشهيد القدس وشهيد العودة، لن ننسى وصيتك بل لها على العهد أبداً ماضون.
إنني كواحد من أفراد عائلتك الصغيرة، أشكر أبناء شعبنا، وأبناء الوطن العربي الكبير وأحرار العالم على الوفاء لتضحيات رجل كان بلا منازع ضمير فلسطين ورمز وحدتها وتحررها، ونعلم كعائلته الصغيرة أننا لسنا أصحاب الحق الوحيدين في ذكراه وتاريخ هذا الرجل الإستثنائي، فكل الشعب الفلسطيني وأمة العرب وكل محب له ومقدر لنضاله وتضحياته وكل رفاقة هم شركاء لنا، فلتدم ذكراه، ويبقى مضيئاً كالبدر ليأتي النهار الذي يتمناه الحكيم بتحرير الأرض وعودة اللاجئين ووحدة أمة العرب.
طوبى للراحل الكبير، فبغيابك تودع فلسطين أغلى رجالاتها، نم قرير العين أيها الحبيب، نم قرير العين أيها القائد التاريخي فبروحك وإرثك وتواضعك وفكرك لم تمت فأمثال جورج حبش يغادرون ولكنهم لا يموتون.

جورج حبش... القائد والانسان لك الرحمة.... ومنا الوفاء

بقلم: عبد الرحيم ملوح

اليوم يكون قد مضى اسبوعاً على رحيل القائد الانسان د.جورج حبش" ابو ميساء"، إنه انسان في شعب. وانسان في امة وقائد سياسي في حركة تحرر وطني ما انفكت تكافح من أجل نيل شعبها حريته واستقلاله. ابو ميساء القائد المثقف ، الواضح والحازم في مواقفه السياسية، الرفيق الانسان الدافىء ما ان تتعرف عليه عن قرب حتى يأسرك بتواضعه ودماثة اخلاقة. المسكون في هموم حرية شعبه ووحدة أمته والمدافع الصلب عن مصالح الفقراء والمهمشين دوماً.ابو ميساء الجرىء جداً فكرياً وسياسياً، والحكيم بنفس القدر او أكثر. ارتبطت عنده الجرأة الفكرية والحكمة السياسية بعلاقة جدلية لا تنفصلان في الحياة وفي الممارسة. وتميز عن الكثيرين من القادة السياسين في إضفاء اللمسات الأخلاقية على العلاقات السياسية. مما اعطى له وللسياسة الفلسطينية بعداً خاصاً . مؤمناً بان المبادىء الأخلاقية عالمية وليس لها إطار زمني محدد، لكنه كقائد سياسي لتنظيم سياسي ولحركة تحرر وطني، ولشعب تحت الاحتلال، في ظروف معقدة وعالم متغير، يدرك جيداً ان السياسة مفيدة بالظروف الموضوعية والامكانات الواقعية. وأن تحقيق انجازات لشعبه تتطلب اداركها وتفرض عليه التعامل معها. لم يكن "طيباً" او حتى مثالياً في السياسة كما يحلوا للبعض. بل كان سياسياً واضحاً، وجريئاً، ومدركاً لمتطلبات كل مرحلة ومستعداً لاقتحام مصاعبها. ولكنه مستقيماً في علاقاته السياسية مع الاخرين. وواقعياً يتعامل مع الواقع بهدف تغيره وليس تبريره او التكيف معه.
الحكيم، تمتع بالجرأة الأدبية، بتطبيقه ما يقتنع به فكرياً وسياسياً على نفسه اولاً ويطلب من رفاقه ذلك، قبل أن يطلب هذا من القوى وعامة الشعب. ويعود عن أي موقف او ممارسة يكتشف خطأها ويصر أن يعلن هذا الخطأ، وينتقد نفسه علناً اذا اكتشف خطأه، وعمل على ارساء هذا التقليد في مؤسسات الجبهة الشعبية القيادية وفي مؤتمراتها بخاصة، وبدون تبريرات أو التواءات.
الحكيم الوطني . وتجلت جرأته وحكمته ووطنيته عام 1967، عندما قرر مع رفاقه في قيادة حركة القومين العرب، باعلان حلّ الحركة كتنظيم قومي واحد، وترك الخيارات الفكرية والسياسية والتحالفية لكل فرع قطري فيها لتحديد سياسته بنفسه، انطلاقاً من الظروف الجديدة ومن واقع ومتطلبات كل قطر. وأقدم مباشرة على العمل مع رفاق آخرين لتأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين متمسكاً بالهوية الوطنية وبحقوق شعبه والتفرغ لمتطلبات الكفاح الوطني الفلسطيني. وكان يريد أن تكون حركة المقاومة الفلسطينية واحدة موّحدة بمختلف تياراتها الفكرية والسياسية. ولكنه ورفاقه لم يتمكنا من هذا، فاكتفيا بتأسيس الجبهة الشعبية من عدد من القوى، بما فيها الفرع الفلسطيني لحركة القومين العرب. وبرزت جرأته الفكرية عندما قاد عملية تحول الجبهة الشعبية من الفكر القومي الى الفكر الماركسي، مطلقاً مقولة: " امكانية تحول تنظيم ديمقراطي ثوري من مواقع الفكر الوطني والقومي الى الفكر الاشتراكي العلمي" اذا ما توفرت الظروف الذاتية والموضوعية. وقد جاءت التجربة الملموسة لتؤكد صوابية ما دعى وعمل له في فلسطين وفي أكثر من بلد عربي وغير عربي.
والسؤال: أليست هذه جرأة فكرية وسياسية ، كبيرتان، عندما يقوم قائد حركة قومية مع رفاقه على حلّ الحركة التي عمل لها وتقف بأفكارها لما يقرب من عقدين، ويترك لفروعها حرية الاختيار. وبنفس الوقت يقوم بتأسيس تنظيم سياسي وحركة مقاومة وينتقل من مواقع الفكر البرجوازي القومي الى الفكر الاشتراكي العلمي. ويتمسك بالعلاقة الجدلية بين الوطني الفلسطيني والقومي العربي، ويحافظ على دوره القيادي الفكري والسياسي والعملي؟!
الحكيم الديمقراطي ، فبرغم تأسيسه لتنظيم قومي يحمل الفكر الشمولي، ووصف بأنه يلجأ لوسائل قسرية وعلاقات داخلية متشددة، إلا أنه كان ديمقراطياً بامتياز وتجلى هذا داخلياً وخارجياً، ففي الكثير من المناسبات الداخلية كان يقف في صف الاقلية في هيئات الجبهة الشعبية القيادية، وكان يلتزم بقرار الغالبية ويعمل لتنفيذه ويترك للحياة وللممارسة الحكم عليه. وطوال التجربة معه لا اذكر سوى مرة واحدة ، طلب فيها اعفاءه شخصياً من تنفيذ القرار ، مع التزامه به، وهي عندما قررت هيئات الجبهة الشعبية القيادية [ ل.م + م.س ] العودة للوطن بعد اتفاق أوسلو، ورغم رغبته الجامحة بلثم تراب الوطن واللقاء مع أبناء شعبه الذي ناضل من اجله.
وتجلت ديمقراطية القائد الانسان ، عام 1969، عندما استفحلت الخلافات الفكرية والسياسية والتنظيمية في صفوف الجبهة الشعبية. وترتب على هذا الخلاف انشقاق الجبهة الديمقراطية، فقد أراد بعض الرفاق اللجوء للاساليب القسرية في منع أو فرض الانشقاق. فوقف عندها الحكيم الديمقراطي في وجه هذه النزاعات الضارة، وقال جملته المشهورة والذي لا يذكرها الا القليلون اليوم:" اذا لم يُجدِ الحوار الديمقراطي في الحفاظ على وحدة الجبهة الشعبية ، فعلينا اللجوء للطلاق الديمقراطي، دعونا نحتكم لهيئات وقواعد الجبهة الشعبية، فمن منهم يريد البقاء في الجبهة أهلاً وسهلاً، ومن يريد الذهاب للعمل مع الرفيق نايف ومن معه فمع السلامة، وعلينا ترك الحكم للمستقبل." لم يعجب هذا الموقف عدد من الرفاق هنا أو هناك، ووقعت ممارسات عصبوية يحكمها المنطق القبلي، فوقف حكيمنا ضدها وادانها، وأصر على موقفه الديمقراطي.
وقدم القائد الديمقراطي درساً مميزاً في الديمقراطية، للكثيرين من القادة السياسين والامناء العاميين للأحزاب ولرفاقه، عندما أصر وبالضد من رغبة رفاقه قيادة وقاعدة، على التخلي عن مواقعه القيادية في المؤتمر السادس للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عام 2000، تاركاً زمام القيادة تحدده هيئات الجبهة القيادية، فاختارت لهذه المهمة الشهيد الراحل ابو علي مصطفى. وللأمانه التاريخية، فقد فكر الحكيم باتخاذ هذا القرار عام 1987، في ذكرى انطلاقة الجبهة الشعبية العشرين، ولكن اندلاع الانتفاضة المجيدة. والحاح عدد ممن استشارهم بالأمر من رفاقه واصدقائه رفضوا خطوته هذه ، فاستجاب لمطلبهم. وحاول مرة أخرى في مؤتمر الجبهة الخامس عام 1993، ولكن الظروف السياسية وفي صلبها مفاوضات مدريد- واشنطن واتفاقات اوسلو والمطالبة الشديدة باستمراره في موقعه حالت دونه وهذه الخطوة. ولقناعته بموقفه هذا، فقد نظم مع الشهيد الراحل ابو علي مصطفى نائب الأمين العام، بأن يتولى المهام اليومية والعملية، وأن يشارك هو في الاجتماعات القيادية وفي المحطات الضرورية.
الحكيم الوحدوي ، لقد آمن بالوحدة العربية، وعمل فكرياً وسياسياً لها، وأسس حركة القومين العرب كتنظيم موحّد للأمة العربية، وتحالف مع الراحل عبد الناصر من اجل توحيد الأمة العربية وفي الدفاع عن مصالحها ودورها. وساهم في تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية ككيان سياسي وممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، وأسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين كتنظيم فلسطيني وحدوي وموحّد للشعب الفلسطيني، وحافظ على هذا الدور ودافع عنه في كل المراحل حتى رحيله. وفي ذروة الخلاف السياسي الفلسطيني، لم يقبل لنفسه وللجبهة الشعبية دوراً الا الدور الوطني الوحدوي. فكان مؤمناً بأن وحدة الشعب وقواه هما عماد الثورة والطريق الوحيد لاستعادة الحقوق ولتحقيق الأهداف. ففي عام 1976، عندما كان الخلاف السياسي محتدماً في الساحة الفلسطينية وكان د. حبش على رأس القوى الفلسطينية الرافضة للحلول الاستسلامية، وقعت أحداث يوم الأرض في الجليل والنقب، واتُفق على إقامة مهرجان تضامني مع شعبنا في قاعة اليونسكو ببيروت. فقام عريف الحفل بتقديم الحكيم ليتحدث في المهرجان فقال الحكيم:" في مثل هذا اليوم وفي حضرة التضامن مع شعبنا ، لفلسطين كلمة واحدة يلقيها الأخ ابو عمار وقدم الميكروفون للشهيد الراحل ياسر عرفات". فضجت المدرجات بالتصفيق. وفي عام 1987، وعند الاعلان عن تأسيس حركة حماس. كان أول من رحب بها برغم الخلاف الفكري التاريخي مع حركة الاخوان المسلمين. معتبراً ان مشاركة الاسلام السياسي في الكفاح الفلسطيني يمثل اضافة قوة سياسية واجتماعية جديدة لكفاح شعبنا.
الحكيم الوطني والقومي والأممي بامتياز ، لقد دافع الحكيم فكرياً وسياسياً عن حقوق أمته بالوحدة، وعن حقوق الشعب الفلسطيني بالحرية والاستقلال والعودة وعن حقه ببناء دولته المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس. وقاد حركة القومين العرب والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين للدفاع عن هذه الحقوق ومن اجل ضمانها. وعمق نظرته ونظرة كل الهيئات والمؤسسات التي عمل فيها، ونظرة الجماهير الفلسطينية والعربية وقوى الحرية والديمقراطية في العالم، إتجاه المخاطر التي تحملها الحركة الصهيونية المتحالفة مع قوى الاستعمار والهيمنه وبخاصة الادارات الأمريكية المتعاقبة. على حقوق الشعب الفلسطيني والأمة العربية والاستقرار والسلم في المنطقة. ويمكن القول ان نظرة د. حبش الثاقبة في تحليله وتقييمه للتحالف الصهيوني الامبريالي وسياساته ضد الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة ، وسعيه للهيمنه على مقدراتها وبخاصة منابع الطاقة وموقع المنطقة الاستراتيجي. جاءت تطورات الواقع السياسي لتزكيتها.
هذه المعرفة وهذا الادراك العلمي، دفعا الحكيم السياسي، وقائد التنظيم السياسي للعمل بكل الوسائل ومن منظور الواقع وضرورات تغيره، من اجل تحقيق أهداف شعبه وامته القريبة والبعيدة، فتبنى المرحلية والديمقراطية من اجل تحقيق أهداف شعبه في الحرية والاستقلال والعودة وصون هويته الوطنية . ومن اجل وحدة وديمقراطية أمته. وحافظ على البعد القومي للقضية الفلسطينية ورفض كل ما يشي بمحاولات سلخها عن عمقها العربي. او محاولات تجيرها لحسابات التكتيك السياسي لهذا الطرف العربي او ذاك، حتى آخر أيامه. وبذات الوقت حرص على امتداد القضية الفلسطينية الأممي مع حركات التحرر والديمقراطية في العالم، وعلى إقامة أفضل علاقات التحالف مع الشعوب التي تناضل من اجل استقلالها وحريتها وديمقراطيتها في مجابهة محاولات الهيمنه الاستعمارية بعامة والأمريكية بخاصة.
وللتدليل على عمق هذا الانتماء لديه ، فقد عمل مع رفاقه وفي اطار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا، ومع دول عربية أخرى لبناء جبهة الصمود والتصدي العربية، في اعقاب زيارة السادات للقدس وتوقيعه لمعاهدة السلام مع بيغن رئيس وزراء اسرائيل برعاية الرئيس المريكي كارتر. ولم يمنعه اعتقاله السابق في سوريا والقطيعه بين الجبهة الشعبية وسوريا منذ عام 1968، حتى عام 1979 من الذهاب لسوريا للمشاركة في اجتماعات هذه الجبهة وفي إعادة العلاقة مع سوريا. ايماناً منه بتوحيد القوى الفلسطينية والعربية الشعبية والرسمية للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني والأمة العربية، وفي مجابهة المخاطر المحدقة بالقضية الوطنية الفلسطينية. أوأن يبادر للذهاب الى العراق والتضامن معه عام 1990و 1991 رغم مرضه، وصعوبة الطريق، والقطيعة بين الجبهة الشعبية ونظام صدام حسين ومعارضتة ومعارضة الجبهة الشعبية لاقدام الرئيس صدام حسين على احتلال الكويت، وضمها بالقوة للعراق، وبرغم القطيعة بين الجبهة الشعبية وبين العراق منذ عام 1980 بسبب تأييد الجبهة الشعبية للثورة الايرانية ضد الشاه، واغلاق النظام العراقي في حينه لمكتب الجبهة الشعبية والذي دام حتى عام 1991، واتهامها بدعم الحزب الشيوعي العراقي والقوى الكردية. وبرغم ما قد يجره هذا الموقف على علاقات الجبهة الشعبية من مصاعب مع سوريا، بسبب العلاقات السلبية بين قيادتي البعث في العراق وسوريا، ووقوف سوريا الى جانب التحالف بقيادة امريكا ضد العراق في حينه.
لقد كان موقف الحكيم والجبهة الشعبية، أنه برغم رفض احتلال الكويت وادانة دعاوي النظام العراقي بضمها باسم الوحدة العربية بالقوة، كون الوحدة يجب أن تقام بالديمقراطية او أية دعاوي سياسية أخرى. الا أن الموقف الصائب هو بالوقوف ضد التدخل العسكري بقيادة أمريكا بالشؤون العربية خصوصاً وفي المنطقة عموماً، حتى لو شاركت معها أنظمة وجيوش عربية. ولو قام هذا التحالف ضد اعتداء نظام عربي على نظام أخر. من هذا المنطلق اتخذ الحكيم والجبهة الشعبية الموقف السياسي المركب الذي لم يفهمه او يقبل به الكثيرين وبخاصة الكويتيين، وهو اننا ضد ما قام به صدام ولكننا ضد التدخل الأمريكي واللجوء له لحل خلافاتنا العربية. وقد لام الحكيم والجبهة الشعبية، الرفاق الكويتيون على هذا الموقف من منطلق أنه لا يجوز للحكيم والجبهة الشعبية التي تناضل ضد الاحتلال، أن لايكون موقفها صريحاً ضد احتلال العراق لبلدهم وأن يقفوا ضد التحالف بقيادة أمريكا والذي جاء لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي. وقد فرحت ورفاقي كثيراً، عندما حضر المناضل الكبير د.عبد الله النيباري رئيس المنبر الديمقراطي الكويتي، جنازة الحكيم في عمان، الأمر الذي يبشر بإدراك موقفنا كما هو، وبانقشاع الجليد في علاقاتنا المستقبلية تمهيداً لعودتها الى طبيعتها.
وفي عام 1988،وقف في المجلس الوطني مشبكاً يده بيد الرئيس الراحل ياسر عرفات هاتفاً وحدة وحدة حتى النصر، ثورة ثورة حتى النصر.مؤيداً وثيقة اعلان الاستقلال ورافضاً القبول بتميز قرار مجلس الأمن 242 عن غيره من القرارات الدولية. ففي كل مراحل الخلاف السياسي، بقي ممسكاً بالصارية، ممسكاً بوحدة منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الكيان السياسي للشعب الفلسطيني وممثله الشرعي والوحيد. ولم يسمح لنفسه او للجبهة الشعبية أن تنزلق تحت دواعي الخلاف السياسي، او لغرور القوة والسلاح وشهوة السلطة بالمساس بالوحدة الوطنية او بمنظمة التحرير الفلسطينية او بحرمة الدم الفلسطيني.
رغم الضغوط والمغريات التي كانت تسلط على الجبهة الشعبية وعليه وعلى اطراف المعادلة الفلسطينية. من أكثر من طرف عربي او اقليمي او دولي. وبرغم تعقيدات الوضع الفلسطيني الداخلية والخارجية. لأن الجبهة الشعبية كانت ولا زالت تعتبرها من الخطوط الحمراء التي لا يجب أن تمس.
هذا هو حكيم الثورة وضمير الشعب ، الانسان المولود في حرارة الصيف والمنصهر في حمأة القضية الوطنية والقومية، والراحل في زمهرير برد كانون، والذي حوّله وفاء رفاقه في الجبهة والقوى الأخرى وأبناء شعبه عموماً ، ومحبيه الى صيف دافيء بالوفاء له وللقيم والأهداف الذي أمضى أكثر من سته عقود من حياته مكافحاً من أجلها.
وفاءً لك يا أيها القائد الانسان، وفاءً لرفاق الكفاح من أجل القضية لابي علي وغسان ووديع، ولابي عمار والوزير والياسين والقاسم والنجاب وفاءً لألاف الشهداء ، وأسرى الحرية ، وفاء للشعب، وفاء لفقراء شعبنا وأمتنا في كل مكان، وفاءً لأمتنا العربية ولاحرار العالم جميعاً. على دربك وبهدى أفكارك وتجربتك سائرون.

Farewell Hakeem


With the passing of Dr. George Habash, the Arab people as a whole along with peoples of the world struggling for liberation have painfully lost one of the towering legends of decolonization.
Dr. Habash, popularly known as Al-Hakeem in dual reference to him being a medical doctor and the conscience of the Palestinian movement, is unmatched in Arab history.
He is the quintessential intersection of Palestinian democratic nationalism, pan-Arabism, progressive internationalism, and egalitarianism.
Yet, even such monumental attributes are but a small part of Al-Hakeem's legacy. It is his unparalleled principled character, humility, love for his comrades and people, and unblemished history that coin him as the archetypical revolutionary leader.From the day he became a refugee in 1948, to founding the Arab Nationalist Movement and subsequently the Popular Front for the Liberation of Palestine, to emerging as one of the most beloved Palestinian Arab revolutionaries in the seventies, to his final departure in Amman, Jordan, Abu Maysa's 83-year journey is that of Palestine itself. While many barter for mere crumbs the entirety of their once-existing principles, Abu Maysa gave up none - not an ounce.
As purported "leaders" construct palaces through thievery from which to command their gangs of fear, he died just as he lived, in modesty, humility, and enormous dignity.
This is a leader who set the highest example by voluntarily vacating his top political seat while at the peak of his popularity. Al-Hakeem transcended all organizations, political parties, nation-states, and borders.
He spoke loudly for the deprived, fought for the needy, and healed the wounds of the poor. He was Palestinian in heart, Arab in blood, and egalitarian in his principles. He leaves a legacy of internationalism situating the Palestinian struggle within an anti-imperialist struggle that transcends the borders of any one state.
Al-Hakeem shunned chauvinists and embraced democratic nationalist who valued unity and home-grown socialism. He rejected the blind mechanical importation of political theory, and argued that it must evolve from our particular Arab conditions. He understood the colonial nature of Zionism as an agent of imperial dominance while also recognizing that it is served by functionaries and servants from within the Arab rank.
He was an ardent advocate of the inseparable duality between national liberation and social equality.Unlike others, Al-Hakeem never saluted a Zionist, never "negotiated" under the Israeli flag, never traded kisses with our people's killers, never knelt before a king, and never stretched a hand in beggary.
He remained true to his belief, never oscillating from one political camp to the next in search of a seat of power. Abu Maysa lived and died never distinguishing along religious lines. He was deeply entrenched in the cumulative totality of our Arab history from the Gulf to the Ocean.
And while the wretched of our people searched for meager pieces of bread and drops of clean water throughout the Gaza Strip and the camps of exile, he did not reside in a palace, nor did he enjoy pay-offs of treason.
Ironically, the passing of this exemplary unifying pan-Arabist legend comes at a time when our people in Gaza are tearing down fences to join hands with the Egyptian Arab people across imposed colonial divides.
How sad it is to loose George Habash at a time when true leadership is scarce and despots are many. How painful it is to loose such a visionary at a time when our people appear to be led by local agents of Empire.
How devastating it is to loose an icon of integrity and pride, when Arab pride is trampled every day, particularly by its presumed custodians. And how untimely his loss is when the need to enhance the democratic pan-Arab nationalist alternative is an existential necessity in today's era of right wing ascendancy. With the loss of this refugee from the town of Lid, we are all painfully so much less, yet due to his life and legacy we are all so much more.
How easy it is to pretend to be a revolutionary during times of luxury, and how almost impossible it is to live and die as one during impossible times. Such is painstakingly achieved only by the select few, of whom El Hakeem is undoubtedly unmatched.
Farewell Abu Maysa!
The struggle continues...
The Free Palestine Alliance
January 26, 2008

الشعبية وفعاليات لبنانية وشعبية تحتشد في نادي التضامن بمدينة صور لتأبين الشهيد د.جورج حبش



أكد محتشدون من ممثلي القوى والأحزاب اللبنانية والفلسطينية والهيئات الأهلية اجتمعوا في نادي التضامن بمدينة صور اللبنانية لتأبين الدكتور جورج حبش على أن الحكيم جورج حبش ونادي التضامن في صور اسمان متصلان اتصال الروح بالجسد، لافتين إلى أن ما يجمع بينهما هو تاريخ طويل من النضال المشترك بدأ في الخمسينات مع سطوع نجم القوميين العرب واستمر دون انقطاع حتى الأيام الأخيرة للراحل.
وبادل الصوريون ومن بينهم من عاصر وانخرط مع القوميين العرب وحشد كبير من ممثلي القوى والأحزاب اللبنانية والفلسطينية والهيئات الأهلية هذا الحب بالاجتماع واللقاء في هذا النادي الذي يحفظ الطيف الذي كان يجسده القائد جورج حبش لمئات آلاف المناضلين على امتداد فلسطين ولبنان والعالم .
فعند مداخل النادي وفي قاعاته ارتفعت صور القائدين جورج حبش وأبوعلي مصطفى ومحمد الزيات الذي ناصره حبش في حملته الانتخابية في مطلع الستينات من القرن الماضي في مواجهة أعتى زعماء المنطقة .
واستقبل المواسين والمعزين بوفاة الدكتور حبش مسؤول الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في لبنان مروان عبد العال ومسئول منطقة صور في الجبهة أبوعبد الراشدي وأعضاء من الهيئتين الإدارية والعامة في نادي التضامن، وتوالى على تقديم العزاء رئيس اتحاد بلديات صور عبد المحسن الحسيني وعدد من النواب والفعاليات الحزبية والروحية والاجتماعية .
وقال نائب رئيس جمعية التضامن يوسف خضرا، "إنها وقفة وفاء والتزام بالعهد لمن بقي وفياً وصادقا للقضية المقدسة، قضية فلسطين وقضية الأمة العربية ووحدتها"
وتابع: "من مدينة صور قلعة المقاومة الشعبية عام 1958 ومعقل المقاومة الوطنية والاسلامية، من التضامن معقل القوميين العرب والمناضل محمد الزيات ومناضلي حزب العمل العربي الاشتراكي وكل الوطنيين والمقاومين تحية وفاء وعرفان وجميل إلى القائد المؤسس جورج حبش الذي أحب صور كما أحب مسقط رأسه اللد، معاهدا الاستمرار في النهج الذي رسمه وسار على دربه القائد الرحل ."
من جهته، قال عبد العال إن صور ونادي التضامن وكل قلاع الجنوب وفلسطين لم تغب لحظة عن بال ومخيلة القائد الحكيم جورج حبش وحتى في ساعاته الأخيرة . وأضاف: "لقد كان جورج حبش معلماً وقائداً ومثقفا وثائراً وثورياً، كان همه الأول والأخير وحدة الشعب الفلسطيني التي كانت بالنسبة إليه تتقدم على الثورة لأنه من دون الوحدة لا يوجد ثورة ولا يمكن تحقيق النصر .
وقال: "إننا في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، سنبقى حريصين ومؤتمنين على الخط الذي عمد بالدم والشهادة والأسر والمقاومة والعمل من اجل الوحدة ." واعتبر النائب حسن حب الله انه مع غياب القائد جورج حبش نفتقد رجلاً من رجالات فلسطين الذين كانوا عنوانا ودربا للمقاومة والثورة .
وأضاف أن فلسطين ستبقى عربية كما أرادها الراحل ولن تكون مهدا للكيان الصهيوني الغاصب . وأكد النائب عبد المجيد صالح أن رحيل القائد جورج حبش في ظل هذه الظروف والأوضاع العربية الصعبة يشكل خسارة كبيرة لا تعوض لا سيما وان المناضل الكبير كان من الكبار الذين يحددون البوصلة لهذه الأمة . وقال مسئول منطقة صور في الحزب الشيوعي اللبناني كامل حيدر أن جورج حبش جسد الروح المعنوية والنضالية في الحالمين بوطن محرر وديمقراطي، وان غيابه المفجع لن يكن إلا محطة لاستمرار هذا الخيار . واعتبر عضو قيادة إقليم جبل عامل في حركة أمل عباس عيسى أن جورج حبش شكّل مدرسة مقاومة ستبقى رافدا لكل الساعين وراء الحق والقضية التي ناضل من اجلها الرجل على مدى عقود من الزمن . وأكد مسؤول الحزب السوري القومي الاجتماعي في صور عباس فاخوري على أهمية الوحدة الفلسطينية التي شكلت الهم الأساسي للقائد الراحل .
وفي السياق ذاته، نظمت الجبهة الشعبية مهرجاناً سياسياً لمناسبة رحيل مؤسسها الدكتور جورج حبش، في قاعة الرئيس ياسر عرفات في مخيم البداوي، تحدث فيه الدكتور صلاح الدين هواري، مسئول حركة «فتح ـ الانتفاضة» في الشمال خليل ديب باسم تحالف القوى الفلسطينية، مسؤول الجبهة الديمقراطية في الشمال أركان بدر، مسئول الحزب الشيوعي اللبناني في الشمال إقبال سابا، مسئول الإعلام في حركة «فتح» في لبنان رفعت شناعة باسم منظمة التحرير الفلسطينية، المسئول السياسي لـ«حزب الله» في الشمال محمد صالح، النائب السابق عبد المجيد الرافعي ومسئول الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين سمير لوباني. وعرض الخطباء مزايا الراحل ومسيرته النضالية، وأكدوا على وجوب الوحدة الوطنية لمواجهة التحديات المقبلة وضرورة معالجة كل المشاكل بالحوار .
كما أقامت قيادة الجبهة الشعبية مجلس عزاء في مركز رشيد كرامي الثقافي البلدي بطرابلس، حيث استقبل مسئول الجبهة في الشمال سمير لوباني (أبو جابر) وأعضاء القيادة يحيط بهم مسئولو الفصائل الفلسطينية المعزين من الشخصيات السياسية والحزبية والاجتماعية والنقابية، والتي تقدمها: الرئيس نجيب ميقاتي، النائب السابق عبد المجيد الرافعي، رئيس بلدية الميناء عبد القادر علم الدين، ووفود من: حزب الله، تيار المردة، حركة المقاومة الإسلامية حماس، لقاء الأحزاب والقوى والشخصيات اللبنانية، الجماعة الإسلامية، اتحاد الشباب الديمقراطي، اتحاد الشباب الوطني، اتحاد نقابات العمال والمستخدمين في الشمال، لجنة الأسير يحيى سكاف، الحزب الشيوعي اللبناني، المنتدى القومي العربي، وعدد من النقباء السابقين، وشخصيات وفعاليات شمالية. وقد كتب الرئيس نجيب ميقاتي في سجل العزاء: "لنكن أوفياء للشهادة، بالعمل المستمر من أجل فلسطين حرة، عربية، مستقلة ".

The testimony of Al-Hakim: 60 years, from Al-Nakba toward Victory


Interview edited and translated by: Adib S. Kawar
a chapter of his book "Testimonies of Uprooted Palestinians"
Al-Hakim George Habash was a born leader, the respect of whom was inevitable and willingly accepted by the people around him without demand on his part... generations of young and old Palestinians and other Arabs in complete devotion and dedication to the Arab cause in general and the Palestinian one in particular, which is in its core…
Al-Hakim (doctor and wise man) George Habash, made irreplaceable and unforgettable favors to all those who accompanied and worked with the beginning of the Arab nationalist movement and Palestinian Arab struggle on the road of return to the stolen and occupied homeland, Palestine and its neighborhood, that is ours in the past, present and future.
Al-Hakim exhausted his youth and up till the last breath of his life in the struggle for the cause. He sacrificed his promising and lucrative profession as a medical doctor that he studied and worked hard to complete for long years, but he sacrificed the profession, wealth and his health without regret or request for gratitude.He deserves all the gratitude, respect and admiration by all his people…
Place and date of birth: Al-Lid Palestine
I left Al-Lid twice: The first time to Yafa at age 13 after completing my elementary schooling. I had the patriotic feelings, simply general patriotic feelings, and I still remember demonstrations and resistance that were organized by Palestinian Arab citizens…
In Yafa I joined the secondary Orthodox school, and remained in it up till second secondary. I would like to mention here my Lebanese teacher of the Arabic language, Munah Khoury from the Lebanese south.
He left in us a deep and strong impression. Arabic as a language was for him his complete, beloved and full world, he was reciting poetry as if being sung, and I admire him today. I still remember him well. I met him in Beirut when I joined the American University of Beirut, and I learned that he left later for the United States.
As Yafa's school was an incomplete secondary school, I had to move to Jerusalem to join the Terra Santa secondary school. Upon completing my secondary education I returned to Yafa where I taught for two years, and in 1944 I joined the American University.
While in Yafa I used to frequently go the Orthodox Club to read newspapers and magazines that came from Egypt, in which I used to read literary and cultural topics.At the American University I was a top student, paying full attention to my lessons.
In my spare time I used to practice my hobbies, especially swimming, and sometimes I used to sing. I had a good voice. Politics was out of my mind, and never occurred to me that I would get involved in it, and that it would become my whole life.This condition of mine remained constant up till the beginning of my fourth year in the university, my second year in the school of medicine.
When one day a friend in the university, Maatouk Al-Asmar, approached me and said that there was a professor in the university – meaning Dr. Constantine Zureik – who was conducting small closed cultural circles, talking to a limited number of students (20 – 30 students) about Arab nationalism, and about the Arab nation and how and why it should resurrect. He suggested to me the idea of attending these circles.
These were lectures the aim of which was enlightenment and stirring debate, and there were no organizational commitments. To be specific, Maatouk told me about a person called Ramez Shihadeh who at the time had already graduated from the university. "I want you to meet him to talk about Arab unity and the salvation of Palestine and how to achieve these goals, but as I was at the time planning to go back home, the meeting didn't materialize.That was at the end of June/July 1948, when Zionists had been trying to complete the uprooting of Palestinians from their homes and land, which at the time had reached its peak.
The year ended and the university closed its doors. I told myself that I should go to Palestine and to Al-Lid in particular. Zionist forces uprooted the people of Yafa to temporally settle in Al-Lid. But my parents asked me to stay in Beirut, and sent me money; my mother was always worrying about me a lot.
My arrival surprised the family and my mother said, "What do you want to do son?" And my sister for her part added asked: "What could you do?" I wondered whether I could fight.
I had already started studying medicine and probably I could help in this field. There was in the hospital a doctor of the Zahlan family, and I started assisting him.Al-Lid, like other Palestinian Arab cities and villages was in severe condition of confusion and worry.
Zionists airplanes were bombarding Palestinians and frightening them. Conditions were severe and horrible.I was involved in my work when my mother's aunt came to the hospital and told me that my mother was worrying about me and asked me to return home.
I refused and insisted on remaining in the hospital, but she insisted and I in my turn insisted on doing my duty. When I continued refusing then she told me that my elder sister whom I dearly loved had passed away. On my way back home I saw people in the streets in a severe condition of fright, and the injured, including some that I knew, lying unattended on the sidewalk.
We buried my sister near our house, as reaching the graveyard was impossible. Three hours later Zionist terrorists attacked our house shouting and ordering us to leave in Arabic, "Yala Barah, yala barah ukhrojo", go out leave.
My mother and I, along with my sister's children –including a baby whom we carried - walked with our relatives and neighbors. We didn't know where to go.
The terrorists were ordering us to walk, and we walked. It was a very hot day, and it was Ramadan. Some of those around us were saying "this is resurrection day" and others said "This is hell".
Upon reaching the end of the town we saw a Zionist check point to search the people. We didn't have any arms or weapons. And it seemed that our neighbor's son, Amin Hanhan, was hiding money; fearing that they steal it from him, he refused to be searched.
The terrorists shot him dead just in front of us. His mother and his younger sister rushed to see him and started wailing. His younger brother, Bishara, was a friend and classmate of mine, and we used to study together.You ask me why I chose this path, why did I become an Arab nationalist? This Zionism claims to speak about peace? This is the Zionism I know, saw and experienced.

في بيان نعي فارسها الأول: حركة القوميين العرب: سيحملك الشباب القومي كنجمة في سماء الوطن بانتظار يوم النصر

نعت حركة القوميين العرب مؤسسها وفارسها الأول القائد الأممي والقومي الكبير د.جورج حبش
.
وقالت حركة القوميين العرب في بيان نعي لمؤسسها الأول " لقد أخذ الموت بعد مرض المناضل الأخ الدكتور جورج حبش القيادي الأول في حركة القوميين العرب حكيم الثورة ومؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين

أضافت: " يترجل الفارس , وتبقى رايات النضال من أجل الوحدة والعروبة خفاقة"
وأكدت الحركة أن الحكيم كان جوهراً خالداً لا مكان له ولا زمان والذي لا قرابة أقرب منه بين إنسان وإنسان
".
وختمت بيانها قائلة: " نم قرير العين يا حكيم وضمير الثورة ويا ابن فلسطين , أيها الصديق سيحملك العروبيون معهم إلى أرض العروبة الواسعة حيث ناضلت أنت، في كل مكان عربي سيحملك الشباب القومي كنجمة في سماء الوطن بانتظار يوم النصر يوم الوحدة العربية".

One day soon ,Lydd will be liberated and your body will be burried there......